تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 210
لم اكن من العالين فيكفى في الامتناع كونى أعلى منه (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) عنصرا إذ (خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ) أي من عناصر يغلبها النار (وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) ومركز النار أعلى وتأثيرها اشد
(قالَ) إذ خرجت من أمرى ومن العقل الكامل بترك النظر إلى شرف روحانيته (فَاخْرُجْ مِنْها) أي من رتبة الملائكة (فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) أي مطرود عن رتبة القرب اللازمة لرتبة الملائكة
(وَ) لا اقتصر في حقك بمجرد الطرد بل العنك (إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي) أي غضبى الذي لا ينقطع (إِلى يَوْمِ الدِّينِ) فلا ينقطع العذاب عنك بعده
(قالَ رَبِّ) مقتضى تربيتك اياى فيما تقدم ان لا تعجل عقوبتى (فَأَنْظِرْنِي) أي امهلنى (إِلى يَوْمِ) الجزاء العام إذ (يُبْعَثُونَ) فيه
(قالَ) إذ استمهلتنى بتربيتى السابقة (فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) لا إلى يوم البعث لتبقى بعد جميع بنى آدم بل
(إِلى يَوْمِ) النفخة الاولى الواقعة في (الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) أي المعين لانتهاء أمر الدنيا فانه يغلب فيه القهر الكلى فلا تسلم فيه
(قالَ) إذ قهرتنى بعزتك وحجبتنى بها عنك إذ ظهرت بيديك في آدم (فَبِعِزَّتِكَ) أقسم (لَأُغْوِيَنَّهُمْ) أي لاضلنهم (أَجْمَعِينَ) بمقتضى حجاب العزة
(إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) لخروجهم عن تلك الحجب بنور إخلاصهم فعرفوك وعبدوك
(قالَ) إنك وإن صرت مبطلا (فَالْحَقُّ) قلت في الاغواء والاستثناء (وَالْحَقَّ أَقُولُ) فيما يترتب عليه فاقسم
(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) بمقتضى القهر اللازم للعزة (مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) فهذا الوعيد هو مبدأ الانذار فإن اعرضوا عن انذارك بعد بيان مبدئه لأنه يشق عليهم الاصغاء إليه
(قُلْ) انما يشق الاصغاء إلى ما فيه غرم لكن (ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) أو امارة كذب كالتكلف لاصلاح الكلام (وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) أو اختلال عرض ولا اختلال فيما ادعو إليه
(إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) أي شرف للكل إذا ظهرت علومه وعمل بها
(وَ) انتم لو خفيت عليكم فوائده (لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ) المتضمن لتلك الفوائد (بَعْدَ حِينٍ) اما في الدنيا عند كثرة العلماء أو في الآخرة* تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين محمد وآله اجمعين
سميت بها لاشتمالها على الآية التي ذكرها المشيرة إلى تفصيل الجزاء والزام الحجة وبطلان المعذرة وهذا من أعظم مقاصد القرآن
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى في كتابه بتفاصيل اسمائه وصفاته واحكامه وأفعاله وإجمال ذاته (الرَّحْمنِ) بتنزيله لبيان تلك التفاصيل (الرَّحِيمِ) بإنزاله لبيان ذاته إجمالا
(تَنْزِيلُ الْكِتابِ) لبيان تلك التفاصيل (مِنَ اللَّهِ) المشتمل عليها مع احتجابها باعتبار اسمه (الْعَزِيزِ) ليصير إلى عالم الحكمة باعتبار اسمه (الْحَكِيمِ) وبين ذاته في اثناء بيان تلك التفاصيل إجمالا للكل
(إِنَّا أَنْزَلْنا) من مقام الجمع (إِلَيْكَ) يا مظهر الجمع (الْكِتابَ) الجامع للتفصيل مع الإجمال لتلحق (بِالْحَقِّ) لتعبده باعتبار جمعه في ذاته وتفصيله في مظاهره (فَاعْبُدِ اللَّهَ) باعتبار جمعه بين الإجمال والتفصيل غير مشرك به المظاهر بل (مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) والمظاهر وان عبدت ورجع عبادتها إلى اللّه فليس ذلك دينه بل
(أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ) عن وجوه الشرك (وَ) عبادة المظاهر لا يخلو عنه إذ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) يقولون (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ)