تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 209
فى النار (رِجالًا) من المؤمنين (كُنَّا نَعُدُّهُمْ) لفقرهم وتركهم دين آبائهم (مِنَ الْأَشْرارِ) وإذا ذكروا فضل إيمانهم وأعمالهم
(أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا) اهم خارجون من النار فليسوا من الاشرار (أَمْ) هم مع سائر الاشرار في النار لكن(زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ
ذلِكَ)القول وان وقع حال الاشتغال بالعذاب (لَحَقٌّ) لأنه (تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) يريد البعض دفع العذاب عن نفسه او تخفيفه عليها وتغليظه على صاحبه ولو بايهام شرية المتبوع الخير وخيرية المتبوع الشرفان زعموا ان غاية هذا انه مبالغة في التخويف وهو ما لم يظهر له أثر موجب السخرية
(قُلْ) انما يظهر اثره بالتعذيب لكنه ليس بيدى (إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَ) لو كان بيدى لكنت الهالكين (ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) لأنه (الْواحِدُ) في الالهية (الْقَهَّارُ) لكل اله سواه لو كان وانما احتيج إلى الواحد لأنه
(رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا) من المحدثات المفتقرة إلى المحدث وكثرتها لا توجب تعدده لأنه مبطل لعزته لكنه (الْعَزِيزُ) على الاطلاق ولذلك لا يظهر بجميع كمالاته في المظاهر فلا بد أن يستر الهيته عنها لأنه (الْغَفَّارُ) فإن زعموا ان غاية هذا انه استدلال على شرية مآب الطاغين وهو انما يكون حجة على من أصغى إليه لكنا عنه معرضون
(قُلْ) انما يعرض العاقل عما يراه سهلا والمستدل عليه فيما نحن فيه (هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ) بحسب مقتضى عزته القاهرة لالهية ما سواه فهي تقتضى قهر من أشرك به
(أَنْتُمْ) مع ادعائكم كمال العقل لانفسكم (عَنْهُ مُعْرِضُونَ) لا عن جهلكم بصدقه بل مع علمكم بصدقه لمطابقته كتب الأوّلين من غير اطلاع لى عليها ولا سماع من أهلها ولا من الشياطين المستمعة من الملا الأعلى فانه
(ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى) أي بكلامهم (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) أي يبحثون عن المعارف والاخبار وكيف يكون لى هذا من الشياطين مع انه
(إِنْ) أي ما (يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ) من اضلال الشياطين (مُبِينٌ) بمبدا اضلاله وهو عداوته مع اللّه لاجل غضبه عليه من ترك السجود لآدم
(إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ) الذين هم فوق ابليس (إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا) فلا ينبغى ان تزدريه اعينكم لكونه (مِنْ طِينٍ) يغلب عليه التراب والماء إذ أشرفه بتعديل المزاج
(فَإِذا سَوَّيْتُهُ) أي عدلت مزاجه بحيث يحصل له وحدة تقتضى فيضان الروح منى (وَ) ازيده تشريفا إذا (نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) أي نورته بنور روح فاض منى (فَقَعُوا) على الأرض (لَهُ) نظرا إلى جمعه بين العلويات والسفليات(ساجِدِينَ
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ)السماوية والأرضية (كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) لم يتأخر سجود بعضهم عن بعض
(إِلَّا إِبْلِيسَ) فانه وان كان دونهم ثم لحقهم بالعبادة حتى دخل في أمرهم لم يسجد لأنه (اسْتَكْبَرَ وَ) دعاه استكباره إلى جحود وجوب امتثال امر اللّه فكأنه (كانَ) قبل ذلك (مِنَ الْكافِرِينَ) وإن كان مبالغا حينئذ في عبادته
(قالَ يا إِبْلِيسُ) بعد ما غير اسمه إذ كان اسمه عزازيل (ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) أي جمعت في خلقه بين صفاتى المتقابلة التي بها افعل الأشياء فعل اليدين (أَسْتَكْبَرْتَ) عليه مع كونك ادنى من الملائكة الساجدين (أَمْ) لم تستكبر ولكن (كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ) أي الملائكة الذين فوق السموات لم يؤمروا بسجوده لكونهم ممن لا يعلمون انه خلق آدم ام لا لاستغراقهم في مشاهدة جلال اللّه تعالى
(قالَ) انى وان