تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 138
فيهم لذلك (لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) إذ صارت قلوبهم بأعمالهم بساتين الأحوال والمقامات تجرى من تحتها أنها والمعارف فلا بد وان تجرى منها أنهار الانوار إلى قلوب اتباعهم كيف ولا يكون بقدر الأعمال إذ يكون (ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فيعظم بقدر عظمته وكيف لا يكون لثوابه نور (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ) ولكل حسن نور ولو قال قائل لو كانت الحكمة في خلق السموات والأرض الدلالات الداعية إلى الإيمان والتقوى لكان كل من كفر في أسوا الأحوال لإبطاله الحكمة وكل من آمن في أحسنها لاتمامه الحكمة لكن كثيرا ما نرى الأمر بالعكس يقال له
(لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ) بالتصرف فيها والاستيلاء عليها فانه ليس من محاسن الأحوال في حقهم بل هو مكر عليهم إذ هو
(مَتاعٌ قَلِيلٌ) يرتب عليه الاستقرار بجهنم إذ يمتعون أيام الحياة (ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ) وقد أفضى إليه متاعهم فبئس المتاع وما يرى من سوء حال المؤمنين فليس بسوء في الحقيقة إذ لم يترتب على معاصيهم
(لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) يصيبهم السوء ليكمل جزاؤهم على صبرهم إذ (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وإذا كان هذا نزلا فلهم درجات فوق ذلك بمجرد التقوى (وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) العاملين مع التقوى ومن أعمال البر الصبر فلهم عليه درجات كثيرة وسببه الابتلاء فليس بسوء بالحقيقة ولو قيل لو كانت الحكمة الدلالات الداعية إلى الإيمان الذي يدعون إليه لكان أهل الكتاب أولى بها قيل انما يكون أولى بها من رجح جانب اللّه على جانب هواه لا بالعكس
(وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) فيرجح جانبه على هواه (وَ) لذلك يصدّق (ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ) ليس ذلك منه كفرا بكتابه بل يصدق أيضا (ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ) ويدل على إخلاصهم كونهم (خاشِعِينَ لِلَّهِ) وانما خالفوا سائر أهل الكتاب لأنهم يرجحون جانب الرشوة وهؤلاء (لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) ولا يضرهم ترك ذلك الثمن إذ (أُولئِكَ لَهُمْ) بدله (أَجْرُهُمْ) الكامل (عِنْدَ رَبِّهِمْ) على الإيمان باللّه وبالمنزل عليهم وعليكم وبالخشوع وترك الثمن القليل ولا يتأخر أجرهم إلى مدة مديدة يؤثر لاجله الرشا الحالة لأن اللّه يسرع حسابهم لايصال اجورهم سريعا (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) ثم قال
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مقتضى إيمانكم الوقوف على حقائق الأشياء على ما هي عليه ولا يحصل بتقليد العلماء وان سبقوا وبلغوا ما بلغوا لاختلافهم ولذلك يحتاج إلى التفكر والمناظرة والنظر في شرائط الاستدلال بحيث يرتبط المدلول بدليله وترك التعصب والتمسك بالشبهات لذلك (اصْبِرُوا) في التفكر (وَصابِرُوا) في المناظرة (وَرابِطُوا) المدلولات بالدلائل (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أن تتعصبوا أو تتمسكوا بالشبهات (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) بالاطلاع على حقائق الأشياء* تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيدنا محمد وآله أجمعين
سميت بها لأن ما نزل منها في أحكامهن أكثر مما نزل في غيرها
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى بجمعيته في