تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 139
النفس الواحدة (الرَّحْمنِ) بخلق زوجها منها وبث الرجال والنساء منهما لعمارة العالم (الرَّحِيمِ) بما أمر من التقوى في رعاية حقوقه وحقوق خلقه
(يا أَيُّهَا النَّاسُ) أي يا من نسى التقوى التي هي حق الربوبية والتربية سيما في الأموال التي رباكم بها سيما إذا قطعتم الأرحام (اتَّقُوا رَبَّكُمُ) الذي رباكم بالتمدن وهو الاجتماع مع ابناء الجنس إذ هو (الَّذِي) أوجد فيكم ما يوجب الائتلاف بينكم على أكمل الوجوه إذ جعلكم راجعين إلى أصل واحد إذ (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) هي آدم (وَ) لا ينافيه احتياجكم إلى الابوين لأنه (خَلَقَ مِنْها) من ضلعها الايسر بعد انتزاعها منه في النوم (زَوْجَها) لذلك كان فيها اعوجاج وضعف وميل الجزء إلى كله لذلك غلبت شهوتها وفيه ميل إليها ميل الكل إلى جزئه (وَبَثَّ) أي نشر (مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً) ثم من الرجال والنساء رجالا آخرين ونساء أخر وهلم جرا إلى يوم القيامة ولم يصف النساء بالكثرة لدلالة كثرة لرجال على كثرتهن لامتناع مشاركة رجلين في امرأة مع جواز اشتراك امرأتين في رجل واحد ووجه الاتقاء في ذلك ان من قدر على إخراج أفراد غير محصورة من أمر واحد يقدر على إخراج معان غير محصورة من فعل واحد منها ما يدل على الكمال والاستقامة ومنها ما يدل على الاعوجاج والنقص ثم أشار إلى انه لو لم يتق من جهة التربية لأنها جهة اللطف فلا بد ان يتقى من جهة الالهية فقال (وَاتَّقُوا اللَّهَ) لكمال حكمته وقدرته وعظمته التي تقررت بقلوبكم إذ هو (الَّذِي تَسائَلُونَ) أي يسأل (بِهِ) بعضكم بعضا وبالأرحام فيقول أنشدتك باللّه (وَالْأَرْحامَ) إذ تقررت عظمتها أيضا هذا على قراءة الحر بحذف المعطوف من الاصل والمعطوف عليه من الفرع وعلى قراءة النصب واتقوا الأرحام ان تقطعوها وليس التخويف من قطيعتها تخويفا من لوم الخلق فقط بل من اللّه تعالى أيضا (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) ينظر هل تقطعون الرحم الذي جعله من الرحمن أم لا ثم أشار إلى ان أجل ما يؤمر فيه بتقوى اللّه على قطيعة الرحم أموال اليتامى الذين لا يخاف من دعاويهم وتشنيعاتهم فقال
(وَآتُوا الْيَتامى) جمع يتيم صغير مات أبوه من اليتم وهو الانفراد (أَمْوالَهُمْ) بايتاء نفقتهم وكسوتهم في الصغر ورد ما بقى عند البلوغ (وَلا تَتَبَدَّلُوا) بأن تعطوا (الْخَبِيثَ) الرديء من أموالكم (بِالطَّيِّبِ) الجيد من أموالهم (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ) بضمها (إِلى أَمْوالِكُمْ) للتوسعة (إِنَّهُ كانَ حُوبًا) أي ذنبا يوجب ضيقا في الآخرة (كَبِيرًا) لا يوازى الضيق الدنيوى
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا) أي ان لا تعدلوا (فِي الْيَتامى) لكثرة عيالكم المحوجة إلى أخذ شيء من أموالهم فلا تكثر والنكاح (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ) أي لنفوسكم من جهة الجمال او الحسب أو العقل أو الصلاح (مِنَ النِّساءِ) مقتسمين على سبيل الحصر في هذه الاقسام (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) أي ثنتين ثنتين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ذكر المكرر لئلا يكون كتقسيم الالف على درهمين ولم يذكر أو لئلا يدل على ان الكل مخير في أحد الاقسام بحيث إذا اختار واحد قسما تعين على الجميع الاخذ به وفهم من الحصر في الاقسام انه لا يجوز جمع خمسة هذا إذا لم تخافوا