تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 405
انما يتم لو أغنى عنه في الشدائد كلها لكن (ما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ) في الشدائد (إِذا تَرَدَّى) أي سقط في تصرفه فصرفه في غير مصرفه مما يوجب عتابا او عقابا فلا بدّ في الاستغناء به من هداية لا تتم الا بنا
(إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى) لمن استهدى منا وتوكل علينا
(وَ) لا يفتقر بالصرف لما هديناه من سبيلنا إذ نعوّضه في الدنيا والآخرة (إِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى) على ان فائدة المال التلذذ بالشهوات ولا يتم لمن استغنى به عن اللّه فانه موجب لاشد الالام
(فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى) أي تتلهب وتتغيظ على المستغنى عن اللّه لأنه يفضى إلى تكذيب اللّه فيما وعد من الثواب والتولى عنه إذا سلب عنه المال الذي هو محبوبه فيخاف عليه من نار
(لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى) فلا يتوهم فيه بالمال سعادة لأنه
(الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَسَيُجَنَّبُهَا) أي يبعد عن تلك النار (الْأَتْقَى الَّذِي) يتقى محبة المال وان اجتمع عنده لأنه
(يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى) أي يطلب عن محبة المال تزكية النفس عن رذائل الأفعال التي من جملتها البخل
(وَ) يدل عليه انه لا يعطيه بمكافأة نعمة لأنه (ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى) بإعطاء المال فهو لا يعطيه
(إِلَّا ابْتِغاءَ) أي طلب رؤية (وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى) فلذة رؤيته أعلى من جميع اللذات برفع حجاب حب المال
(وَلَسَوْفَ يَرْضى) برؤية وجهه بدلا عن لذات رؤية المال نزلت في أبى بكر رضى اللّه تعالى عنه حين اشترى بلالا ممن كان يؤذيه لإسلامه فاعتقه ليعتقه اللّه عن الحجب المانعة من رؤيته* تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وآله أجمعين
سميت به لأنه دليل عود الوحى مرة بعد أخرى وهو المقصود من السورة
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى باسمائه المختلفة في الضحى والليل ليدل على اختلاف أوقات الانبياء بالوحى وعدمه (الرَّحْمنِ) بعدم موادعتهم وقلاهم عند غلبة ظلمة البشرية عليهم (الرَّحِيمِ) باعادة غلبة نوره الموجبة للوحى عليهم
(وَالضُّحى) أي وقت ارتفاع الشمس الذي هو مثال اشراق النور الالهى على المحمدى
(وَاللَّيْلِ) الذي هو مثال بشريته (إِذا سَجى) أي غطى كل شيء بظلامه
(ما وَدَّعَكَ) أي ما فارقك مفارقة مودع بطول مدة غيبته (رَبُّكَ) الذي رباك بتجلية نوره بلا واسطة على روحك بعد مفارقة الضحى للنهار أو النور له بعروض الليل يزول عن قريب فيعود النهار أو الضحى (وَما قَلى) أي وما أبغضك بظهور بشريتك نزلت حين فتر الوحى فقال المشركون ودعه ربه وقلاه
(وَ) ان حصل لظلام البشرية غلبة في بعض الاوقات فالغلبة لنور الحق في النهاية من ذلك (لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) إذ لا يكون لبشريتك هناك غلبة أصلا
(وَ) لغلبة نور الحق عليك هناك دائما (لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ) مقام الشفاعة التي تفيض منها النور على من آمن بك وأحاطت به ظلمات المعاصى (فَتَرْضى) بذهاب ظلمة لبشرية عن اتباعك فإن شككت في خيرية انتهائك فيّ فانظر في بداية أمرك
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا) مهانا بمقتضى البشرية (فَآوى) أي ضمك إليه ليعزك بعزته بمقتضى اشراق نوره عليك
(وَ) من دلائل غلبة النور الالهى عليك بعد غلبة ظلمة البشرية انه (وَجَدَكَ ضَالًّا) بغلبة ظلمة البشرية (فَهَدى) بغلبة