تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 386
الشفاعة أيضا واستحقاق هذه الشفاعة انما يكون بالرجوع إلى الحق بالإيمان به (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا) بالإيمان به والا أصابه عذاب البعد ولا يبعد عنكم
(إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا) يكفى فيه تصوير أعماله لكونه (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ) مصورة بصورة جميلة أو قبيحة بتلذذ بها أو بتألم (وَيَقُولُ الْكافِرُ) عند رؤيته قبح صورته في الغاية (يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا) أي باقيا على صورتها فهي خير من هذه الصورة* تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين نبينا محمد وآله أجمعين
سميت بها ترغيبا في اكتساب هذه الصفة التي يتوسل بها إلى الكمالات المذكورة بعدها
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى بجلاله وجماله في أهل النازعات (الرَّحْمنِ) بأهل الناشطات (الرَّحِيمِ) بأهل السابحات وما بعدها
(وَالنَّازِعاتِ غَرْقًا) أقسم اللّه سبحانه وتعالى بالقلوب النازعة نفوسها الغرق في الشهوات غرقا بليغا
(وَ) بالقلوب (النَّاشِطاتِ) في عبادته لارتفاع تعويق نفوسهم عنها (نَشْطًا) كاملا لا يوجد معه تعب
(وَ) بالقلوب (السَّابِحاتِ) في بحار المعارف (سَبْحًا) موصلا لهم إلى الأحوال والمقامات
(فَالسَّابِقاتِ) في مقامات القرب (سَبْقًا) كاملا
(فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا) للخلق بالرجوع إليهم من الحق متصفة بما يناسب صفاته لترجعن إلى اللّه الذي تعمل له هذه القلوب فإن كنتم بهذه الصفات لم يضركم شيء من الشدائد والا اضطربتم بها
(يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) أي تتحرك الأجسام الساكنة حركة شديدة كالأرض والجبال
(تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) أي التابعة كالسماء تنشق والكواكب تنتثر فهذه
(قُلُوبٌ) لاتصافها باضداد تلك الصفات (يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ) أي شديدة الاضطراب ولا تنتفع بالنظر إلى اللّه تعالى إذ
(أَبْصارُها خاشِعَةٌ) أي ذليلة لأنها لم تتعزز بهذه الصفات العزيزة وكيف لا تؤثر فيهم الراجفة والرادفة بذلك وهم كالمنكرين للموت إذ
(يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ) أي القبر فإن أقروا به انكروا البعث بعده إذ يقولون
(أَإِذا كُنَّا عِظامًا نَخِرَةً) أي رميمة نبعث فإن بين لهم بالدلائل الواضحة
(قالُوا) ان صح ما قلتم (تِلْكَ) الرجفة (إِذًا كَرَّةٌ) أي رجعة (خاسِرَةٌ) أي منسوبة إلى الخسران ولا وجه لاستبعادها لأنها مرتبة على نفخة الصور ولا بعد فيها
(فَإِنَّما هِيَ) أي النفخة التي يترتب عليها الراجفة والرادفة (زَجْرَةٌ واحِدَةٌ) لدفع الأرواح من الصور إلى الابدان
(فَإِذا هُمْ) ملتبسون (بِالسَّاهِرَةِ) أي بالابدان المتيقظة فإن زعموا انه لو كان للقلوب السابقة تدبير الخلائق لم يبق في الأرض فساد يقال للسائل
(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى) من كبار السابقين
(إِذْ) بلغ من مقام القرب إلى حيث (ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً) أي الذي طوى فيه الالتفات إلى الغير وقد بعثه اللّه لاصلاح أمر فرعون إذ قال له
(اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ) لتدبيره بما يصلحه (إِنَّهُ طَغى) أي جاوز حده بدعوى الربوبية
(فَقُلْ) له أوّلا (هَلْ لَكَ) رغبة (إِلى أَنْ تَزَكَّى) عن الرذائل التي هي منشأ الطغيان
(وَ) هل لك إلى أن (أَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ) الذي رباك بإعطاء الملك فأعرفك ذاته وصفاته وأفعاله (فَتَخْشى) أن يسلبك الملك ويذيقك البأس مكان النعم