تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 234
بشركهم فمن دلائل التوحيد ان رب الكل واحد لارتباط البعض بالبعض حتى الحيوانات فربكم ورب الانعام واحد
(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ) مسخرة (لِتَرْكَبُوا) على بعض (مِنْها) لقتال الاعداء والفرار منهم (وَمِنْها تَأْكُلُونَ) ليبقى قوام أبدانكم
(وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ) تشبه الاكل كالألبان وتشبه القتال والفرار كالجلود والاوبار (وَ) في الركوب فائدة أخرى وهي (لِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً) لا تحصل في بلدكم وتبقى (فِي صُدُورِكُمْ) من الاكل والتزوّج والتجارة وقتل العدوّ (وَ) لم يضيق فيها بتعين طريق بل جعل للوصول إليها طريقين طريق البر وطريق البحر (عَلَيْها) في طريق البر (وَعَلَى الْفُلْكِ) في طريق البحر (تُحْمَلُونَ) فتحت يده جميع هذه الأمور المختلفة فهو اله واحد للكل
(وَيُرِيكُمْ) في الآفاق مع هذه الآية سائر (آياتِهِ) الدالة على وجوده وتوحيده وصفاته وأفعاله (فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ أَ) ينكرون معاقبته على إنكار آياته
(فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) التي فيها آثار المعاقبين على إنكار آيات اللّه (فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ) أنكروا آيات اللّه (مِنْ قَبْلِهِمْ) ولم يكن ذلك عن قلتهم إذ (كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَ) لا عن ضعفهم إذ كانوا (أَشَدَّ قُوَّةً وَ) لا عن عدم تحصنهم إذ كانوا أكثر وأشد (آثارًا) كالحصون والقصور لكنها انما تفيد في مقابلة من يقتصر على تصرفه (فِي الْأَرْضِ) وأما من يتصرف في السماء فلا يفيد في مقابلته شيء من ذلك ولا غيره (فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) مما لا يدفع به الأمر الأرضى ولا السماوى من البخارات وغيرها ولم يكن ذلك لقصورهم فيها بل قد بلغوا فيها إلى حيث رجحوا علومهم على علوم الانبياء
(فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) من علومهم (فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) حتى استهزؤا بالرسل من عدم تلك العلوم عندهم فأخذوا بذلك الاستهزاء (وَحاقَ بِهِمْ) جزاء (ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) من علومهم فلم تنفعهم تلك العلوم وقد كانت تلك العلوم ولحوقهم بالشياطين في شركهم
(فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) فانهزمت عنهم الشياطين (قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) إذ هو الذي أفاض تلك البينات من العلوم القاهرة لعلوم الشياطين (وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ) من تلك الشياطين المقيضة لعلومهم إذ صاروا مقهورين أيضا فهذا الإيمان وان كان دافعا للبأس قبل مجيئه
(فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ) بعد تأثير كفرهم (لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) والمانع في اثناء التأثير وان كان قاطعا للاثر في سائر الأسباب فليس الإيمان بقاطع لأثر الكفر بعد البأس لكونه (سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ) إذ لا يبقى بدون ذلك للتحذير من الكفر معنى (وَ) الإيمان وان كان رابحا قبل ذلك بساعة لطيفة (خَسِرَ هُنالِكَ) بمجرد مجيء البأس (الْكافِرُونَ) إلى ذلك الوقت ففاتتهم سعادة الابد وحصلت لهم شقاوته والعياذ باللّه من ذلك* تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين
سميت بها لاشتمالها على آية سجدة تدل على بطلان عبادة المظاهر بالكلية وان اللّه يستحق بذاته أجل العبادات وهذا من أعظم مقاصد القرآن
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى بكمالاته في تنزيله