تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 235
(الرَّحْمنِ) بتفصيل آياته (الرَّحِيمِ) بجعله قرآنا عربيا
(حم) أي حاوى الكمالات وما حى النقائص أو الحلاوة والملاحة أو الحياة والمناصب أو الحب والمكانة
(تَنْزِيلٌ) لصفة كلامه الازلى (مِنَ الرَّحْمنِ) المنعم بجلائل النعم (الرَّحِيمِ) المنعم بدقائقها فمن الجلائل التجلى بالصفات الالهية التي هي الكمالات المطلقة الماحية لصفات الحوادث التي هي النقائص وتكميل القوّة النظرية والعملية ورفع نقائصهما وفى ذلك حلاوة للمتصف بها وملاحة في النظر إليها وبذلك كمال الناطقة بأنوار الحياة الازلية وسائر الصفات المفيدة للمناصب العالية ثم في الاتصاف بها المناسبة مع اللّه الموجبة لحبه الموجب للمكانة عنده ومن الدقائق جزئيات هذه الأمور وما يترتب عليها من الفروع ومعنى تنزيلها ظهورها بمظهر جامع هو
(كِتابٌ) مجمل (فُصِّلَتْ آياتُهُ) بالاشتمال على جميع المطالب الدينية والحقائق اليقينية مع الدلائل العقلية والنقلية مع كونه (قُرْآنًا) اجتمع في ألفاظه اليسيرة معان غير محصورة وانما تيسر فيه ذلك لكونه (عَرَبِيًّا) يتيسر فيه من جميع الفوائد ما لا يتيسر في غيره لكن الاطلاع على ذلك انما هو (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) مقداره وكيفية الاستخراج منه بعد اطلاعهم على أكثر العلوم ويدعوهم إليه كونه
(بَشِيرًا) للناظرين فيه والمستخرجين منه (وَنَذِيرًا) للمعرضين عنه لكنه لما كان من الرحمن الرحيم اغتر برحمته الجهال وهم الاكثر (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ) لظنهم انهم مرحومون بكل حال وان عاندوه (فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) ما للمعاند فيه وان الرحمة الرحمانية والرحيمية انما هي للناظر فيه والمستخرج منه والعامل به
(وَقالُوا) انما لا نصغى إليه لأنه لا يصل إلى قلوبنا إذ (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ) فهي محجوبة (مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ) من الأمور الأخروية إذ لا تراها فلا تصدق بها (وَ) القلوب وان كانت تصدق كثيرا من الغائبات عند سماعها فلا تسمع هذه المغيبات إذ (فِي آذانِنا وَقْرٌ) أي ثقل لمخالفته ما ألفناه (وَ) لو لم يكن فيها وقر فانما نسمع ممن عرفنا حقيقته لكن (مِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) فلا نعرف حقيتك فإن كشف لك عن حقيته (فَاعْمَلْ) بموجبه (إِنَّنا عامِلُونَ) أعمالا ألفناها واعتمدنا فيها على رحمته الرحمانية والرحيمية
(قُلْ) قولكم قلوبنا في أكنة ليس بعذر فإن غايته انه حجاب البشرية ورفعه ممكن (إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) لكن رفع عنى حجاب البشرية فصرت بحيث (يُوحى إِلَيَّ) لا من جهة الشياطين لأنه شرك ووحيى توحيد (أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) وحجاب البشرية يرتفع بالاستقامة (فَاسْتَقِيمُوا) في الأعمال الموصلة (إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) على الحجب الظلمانية التي من جملتها حب المال الداعى إلى البخل سيما إذا انضم إلى الشرك(وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ)لو أتوها لم تفدهم إذ (هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) فإن افادتهم فانما تفيدهم أجرا دنيويا منقطعا بخلاف أجر أعمال المؤمن
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي غير منقطع لأن عمله هدية مقبولة عند ملك الملوك الذي لا غاية لعظمته ولا لبقائه ولا لعطائه فإن زعموا أن أجرهم من اعتمادهم على رحمته الرحمانية والرحيمية أيضا غير ممنون
(قُلْ)