تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 391
وهو متصف (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ) بوصف (مَكِينٍ) وقد بلغ فيه إلى حيث اتصف بوصف
(مُطاعٍ ثَمَّ) أي في الملائكة وقرئ ثم تعظيما وعلى الأوّل انما يمكن هذا التمكين لا تصافه بوصف (أَمِينٍ) فلا يتصوّر منه التغيير فيما أرسله به
(وَما صاحِبُكُمْ) يعنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي عرفتم كمال عقله بطول صحبته (بِمَجْنُونٍ) مختل الخيال حتى لا يعتد برؤيته صور الملائكة بقوّة الخيال لأن هذه القوة صحيحة من الصحيح وفاسدة من المجنون فساد سائر الحواس بالآفات العارضة ولذلك تعتبر صور الرؤيا الا من المختلين بعوارض تفسد القوّة الخيالية (وَ) لم يعرفه بهذه الصورة فقط بل
(لَقَدْ رَآهُ) بحقيقته عند اتصاله (بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) للحقائق فعرفه في كل صوره رآه من بعد وانما ظهر من بعد في هذه الصورة لأنه لا يمكن أخذ الوحى من حقيقته
(وَ) لا بد من إنزال الوحى لأن اللّه تعالى (ما هُوَ عَلَى) اظهار (الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) أي بخيل ولا يمكن الا بارسال ملك على صورة بشر هذا إذا قرئ بالضاد وان قرئ بالظاء فمعناه كيف يشك في رؤية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع انه ما هو على اخباره عن الغيب بمتهم
(وَ) ليست هذه الصورة صورة الشيطان والا لكان القرآن قول الشيطان لكنه (ما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) لأنه لما رجم فليس له همة سوى اضلال من رجم من أجله والقرآن ارشاد محض وإذا ظهر أنه قول الرسول الامين والرائى اعتمد على رؤية حقيقته أولا والحق غير بخيل والقرآن ليس بقول شيطان رجيم بل ارشاد محض
(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) إلى القول بأنه مفترى وكيف يتصوّر مع انه
(إِنْ هُوَ) أي ما هو (إِلَّا ذِكْرٌ) أي شرف (لِلْعالَمِينَ) وصل إليهم تعظيما لهم بما يوصلهم إلى الكمالات النظرية والعملية فإن لم يتعظم به الكل فهو تعظيم
(لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) حتى تكمل قوتاه النظرية والعملية
(وَ) لكن (ما تَشاؤُنَ) الاستقامة (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) أن يقهرهم عليها لكن لا ينافى ذلك عموم ربوبيته للمستقيمين وغيرهم إذ هو (رَبُّ الْعالَمِينَ) * تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وآله أجمعين
سميت به لأنه أعظم أسباب تعلق العقول والنفوس السماوية بالنفس الإنسانية حتى علمت ما قدمت وأخرت
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى بجلاله في السماء والكواكب والبحار وبجماله في القبور (الرَّحْمنِ) باطلاع النفوس على ما قدمت وأخرت (الرَّحِيمِ) باعلامه قبل وقوعه للاستعداد له
(إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) أي انشقت فبطل تعلق النفوس السماوية بها فبطل تعلق العقول بتلك النفوس فتعلقتا بالنفوس الإنسانية ليظهر لها كليات معانى ما قدمت وأخرت وجزئياتها
(وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ) والنفوس السماوية كانت متعلقة بتلك الكواكب أولا فانضمت إلى النفوس الإنسانية لمناسبتها لها فصار لها الاطلاع على المعانى الجزئية لما قدمت وأخرت
(وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ) أي فتحت بعضها إلى بعض فصار الكل واحدا فاخلتطت المواد السماوية بالأرضية التي منها البدن فتعلق بها العقول والنفوس التي كانت متعلقة بالمادة السماوية
(وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) قلب ترابها فلا يبعد أن تنقلب المعانى الخفية والجلية