تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 53
مبالغة في التذلل له (وَاعْبُدُوا) في ذلك (رَبَّكُمْ) فلا تجعلوه وسيلة لما سواه (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) وراء العبادة (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) بمطالبكم التي تتوسلون فيها بالملائكة والرسل والاولياء
(وَ) لو طمعتم في اصطفائكم بحيث يتوسل بكم غيركم (جاهِدُوا) أنفسكم (فِي) معرفة (اللَّهِ) وعبادته وأخلاقه ومقامات قربه وأحواله (حَقَّ جِهادِهِ) الذي أمر به على ألسن رسله وأوليائه ولا يبعد أن يصطفيكم بذلك إذ (هُوَ اجْتَباكُمْ) للإسلام وكيف لا يصطفيكم بالجهاد وفيه من الحرج ما فيه وقد اجتباكم بدين الإسلام (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وانما اجتباكم فيه بدون الحرج لكونه (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ) وهي وان لم تسم اليوم إسلاما (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) إذ قال ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك فاتبعوه في أصل الدين (وَفِي هذا) الجهاد لتبلغوا غاية الكمال الذي به الاصطفاء الموجب مناسبة الرسل (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ) إذ يختص بمكاشفة أخوالكم دون غيره (وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) إذ يكاشف لكم عن أحوالهم وهذا الجهاد انما يتم بالأفعال الظاهرة مع الاعتصام باللّه (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) مع كمال الحضور والخشوع (وَآتُوا الزَّكاةَ) للتطهر عن حب المال (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ) فلا تفعلوا شيأ من الأعمال الظاهرة والباطنة بدون الاستمداد منه (هُوَ مَوْلاكُمْ) الذي يتولى أموركم عند ذلك ومن كان اللّه مولاه (فَنِعْمَ الْمَوْلى) مولاه كيف (وَ) هو ينصره في كل مقام فهو (نِعْمَ النَّصِيرُ) فافهم تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين محمّد وآله أجمعين.
سميت بهم لاشتمالها على جلائل أوصافهم ونتائجها في أوائلها وفى قوله ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون انى قوله سابقون
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى بجمعيته في المؤمنين (الرَّحْمنِ) بافاضة وصف الإيمان عليهم (الرَّحِيمِ) بافاضة سائر أوصافهم ونتائجها
(قَدْ أَفْلَحَ) أي فاز بغاية الكمال (الْمُؤْمِنُونَ) إذا استكملوا الإيمان بالصلاة والصلاة بالخشوع فصاروا هم
(الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) والخشوع التذلل مع الخوف والزام الابصار المساجد
(وَ) انما تم لهم الخشوع لأنهم (الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ) ما لا يعنيهم (مُعْرِضُونَ) لاستغراقهم في الجد من عبادة اللّه تعالى وذكره
(وَ) انما تيسر لهم الاعراض لأنهم (الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ) أي تطهير النفس عن رذيلة حب المال (فاعِلُونَ) من آثار تلك الطهارة هم
(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ) فلا يطلقونها على امرأة
(إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ) لكونهم أصحاب العفة المتوسطة بين افراط الزنا واللواطة واتيان البهيمة وتفريط العفة (غَيْرُ مَلُومِينَ) وإن بالغوا في الاطلاق عليهن وإذا انقطعت ضرورة النفس بالازواج والاماء
(فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ) أي طلب الزيادة عليها بالزنا وأخويه (فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) وإن لم يكن أهل العفة أهل العدوان وان دخل في اللوم كيف
(وَ) قد خانوا أمانة النطفة وخالفوا عهد جعلها بذرا مع أن المؤمنين هم (الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ) إذ بدون رعايتهما يكون مضيعا للصلاة