تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 54
بجعلها للمظلومين
(وَ) المؤمنون هم (الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ) وانما أفلح
(أُولئِكَ) الجامعون لهذه الاوصاف إذ (هُمُ الْوارِثُونَ) عن الكفار أماكنهم في الجنان وبقرض أعلى الاماكن بفرض علوهم في الصلاح فهم
(الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) ولا يورث منهم إذ (هُمْ فِيها خالِدُونَ) لا يبعد أن يحصل الإنسان بهذه الاطوار المعنوية رتبة وراثة الفردوس وقد حصل له بالاطوار الحسية رتبة الإنسانية فانا
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) أي ابتدأنا خلقه (مِنْ سُلالَةٍ) أي خلاصة (مِنْ طِينٍ) تراب خلط بماء فصار نباتا فأكله إنسان فصار دما
(ثُمَّ جَعَلْناهُ) بالتصفية (نُطْفَةً) فنقلناه إلى رحم المرأة فتركناه (فِي قَرارٍ) أي مستقر (مَكِينٍ) يتمكن فيه النفس من التصرف فيها
(ثُمَّ) بعد انضمام دم الطمث إليها (خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) بالاستحالة من بياض إلى حمرة (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ) بتصليبها (مُضْغَةً) قطعة لحم بقدر ما يمضغ (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا) بمزيد التصليب (فَكَسَوْنَا) بالحاق دم الطمث (الْعِظامَ لَحْمًا) يسترها (ثُمَّ) بعد كمال الصورة والمزاج (أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ) هو خلق الإنسانية بنفخ الروح فالإيمان سلالة عنصر القرب والصلاة بذر المقامات والأحوال والاعراض عن اللغو يحيل صفات البشرية بما يناسب صفات الحق كالعلقة وفعل الزكاة يفيد تقوية كالمضغة ومحافظة الفروج يزيد تقوية كالعظام ورعاية الامانة والعهد يمنع وصول أذية بكسر هذه القوة كاللحم ومحافظة الصلاة كالروح فلا يبعد أن تورث مراتب الفردوس (فَتَبارَكَ اللَّهُ) أي تعاظم قدرة وحكمة وتصرفا (أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) لو قدر غيره خالقا
(ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ) أي بعد تحصيل هذه الكمالات المعنوية والحسية (لَمَيِّتُونَ) والحكيم لا يتلف ما استكمله بأنواع التكميل لذلك
(ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) لتقوموا لرب العالمين (تُبْعَثُونَ) فلا يبعد أن يبعثكم إلى تلك المراتب العالية التي ورّثها من أعدائكم لو رجعوا إليه بأعمالكم
(وَ) انما جعلنا الأعمال المفيدة للفلاح سبعا كالاطوار المفيدة للأرواح لانا (لَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ) للفيض عليكم (سَبْعَ) سموات (طَرائِقَ) لصعود الأعمال ونزول الفيض كيف (وَ) ليس ذلك ليحصل لنا العلم بالأعمال والفيوض لانا (ما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ) يدل على كونها للفيض انا
(وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) ليدوم الانتفاع به ليتموا شكرنا (وَ) ان تركوه (إِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ) باغواره أو اصعاده (لَقادِرُونَ) ولكن مع ترك الشكر ربما نزيدهم انعاما ليزدادوا كفرانا فنزيدهم انتقاما على انه لا تخلو الأرض من شاكر
(فَأَنْشَأْنا لَكُمْ) أيها الشاكرون (بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ) لتعلموا انه يحصل لكم من فيض الأعمال مقامات وأحوال (لَكُمْ فِيها) أي في تلك الجنات (فَواكِهُ كَثِيرَةٌ) من الرطب والتمر والبسر والعنب والزبيب لتعلموا انه يحصل من المقامات والأحوال علوم وأخلاق ثم ان منها ما يفيد مجرد التلذذ (وَمِنْها) ما يفيد معه الحفظ وهو ما (تَأْكُلُونَ) لتعلموا أن من الأعمال ما يفيد التلذذ بالالطاف الالهية وما يفيد الحفظ
(وَ) لا يبعد أن يحصل من عمل واحد فوائد كثيرة إذا كان رفيع القدر طيب المنبت فانا قد أنشأنا لكم (شَجَرَةً) هي الزيتون (تَخْرُجُ) في الاصل