تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 55
(مِنْ طُورِ سَيْناءَ) أي من جبل رفيع من السناء وهو الرفعة أو منير من السنا بالقصر وهو النور (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) المشعل للسراج (وَصِبْغٍ) أي وبادام يغمس فيه الخبز (لِلْآكِلِينَ) وكذلك يحصل من عمل واحد تسريح الباطن وتقوية الظاهر
(وَ) لا يبعد انقلاب العمل الشاق لذة وانقلاب التذلل فيه اكراما فانه كانقلاب العلف في بطن الحيوان لبنا (إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً) تعبرون بها إلى الأعمال (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها) كذلك نعطيكم اللذة الباطنة من الأعمال الشاقة في الظاهر (وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ) من نتاجها وشعورها (وَ) لحومها إذ (مِنْها تَأْكُلُونَ) كذلك يحصل لكم من الأعمال ما ينتج عليكم الأحوال ويصونكم من البلايا ويقويكم على تحمل الشدائد
(وَ) الأعمال الظاهرة كالانعام إذ (عَلَيْها) تحملون في بر الشريعة الظاهرة إلى اللّه تعالى (وَ) الأعمال الباطنة كالفلك إذ (عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) إذ الاعتقادات وسائر المساعى الباطنة تحمل الإنسان في بحر الحقيقة الباطنة
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا) للحمل على فلك الاعتقادات الصحيحة (إِلى قَوْمِهِ) غرقى في بحر الضلال (فَقالَ يا قَوْمِ) الذين يجب علىّ حملهم على فلك النجاة (اعْبُدُوا اللَّهَ) بالاعتقاد الصحيح فيه سيما اعتقاد التوحيد لأنه (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ) تتخذون غيره إلها أو تعتقدون فيه ما ليس عليه (فَلا تَتَّقُونَ) أن يغرقكم في بحر العذاب
(فَقالَ الْمَلَأُ) أي الاشراف لا بالدين بل بالدنيا الحاجبة عن اللّه فهم (الَّذِينَ كَفَرُوا) الرسالة منه وان كانوا (مِنْ قَوْمِهِ) حقهم أن يخرقوا حجاب الكفر كخرقه (ما هذا) الداعى إلى اللّه بدعوى الرسالة منه (إِلَّا بَشَرٌ) وكل بشر فهو (مِثْلُكُمْ) ولا يفضل أحد المثلين الآخر بمزيد علم باللّه أو غيره بل غايته انه (يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) بدعوى الرسالة ومزيد العلم باللّه والقرب من اللّه وان كان فاضلا فليس برسول إذ لم ينزل من مكان الرسل وهو السماء (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ) ارسال رسول (لَأَنْزَلَ) من سمائه (مَلائِكَةً) ولو أرسل من أهل الأرض إليهم لكان ذلك له سنة مستمرة لكن (ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) وهو في زعمه انه يأتيه الملك من اللّه
(إِنْ هُوَ) أي ما هو (إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) أي خيال فاسد (فَتَرَبَّصُوا بِهِ) أي فانتظروا بزوال جنونه(حَتَّى حِينٍ
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي)بإهلاكهم (بِما كَذَّبُونِ) أي بسبب تكذيبهم حججى وآياتى
(فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا) لتنجو من إهلاكهم بالغرق إذ لم يركبوا سفن النجاة التي كانت بأمرنا على لسانك لهم (وَوَحْيِنا) اليك (فَإِذا جاءَ أَمْرُنا) باغراقهم (وَفارَ) أي نبع (التَّنُّورُ) الذي يشبه مجمع نيران أهويتهم (فَاسْلُكْ) أي أدخل (فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ) أي حيوانين مختلفين بالذكورة والانوثة (اثْنَيْنِ) لا أزيد لئلا تضيق السفينة عن بعض الاصناف ولا أنقص لئلا يتلف بعض الاصناف بالكلية (وَأَهْلَكَ) ويلحقهم من آمن وفيه اشارة إلى انه لا بد من حمل الروح والقلب والسر والخفاء على سفينة النجاة في بحر الحقيقة بمراعاة الشريعة (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ) من اللّه بإهلاكه كامرأتك وولدك كنعان وفيه اشارة إلى ان النفس وأولادها من الصفات الذميمة غير محمولة (وَلا تُخاطِبْنِي فِي) شفاعة (الَّذِينَ ظَلَمُوا) وإن غلبتك الشفقة عليهم عند رؤية هلاكهم