فهرس الكتاب

الصفحة 811 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 350

عاقبة تلك اللذائذ كما تلذذت بها كيف (وَ) قدادت بهم تلك المعاصى بمخالفة ذلك الأمر إلى الكفر حتى (كانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا) أي خسران الأعمال الصالحة واللذات الباقية واين يكون لهم اللذة مع انهم

(أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا) بحيث لا نسبة لشدّة العذاب النكر إليه قبل وصولهم إلى الآخرة لئلا يتأخر عن وقت وصولهم (فَاتَّقُوا اللَّهَ) ان تخالفوا امرا من أوامره لشدة فيه وان خالفت ظواهر العقول (يا أُولِي الْأَلْبابِ) فلا تقولوا وصلنا إلى لب كل شيء ولم نجد لهذا لبا إذ يكفيكم الاطلاع على صدقه إذا كنتم من (الَّذِينَ آمَنُوا) بالنظر في الباب الادلة القاطعة فاعتقدوا انه وان لم يكن معقولا ففيه ما يجلبكم إلى تنوير القلب إذ (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا) أي ما يذكركم اللّه فكانه جعله

(رَسُولًا) يدعو إليه ولا تلبيس في دعواته لأنه (يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ) أي المعجزات القولية (مُبَيِّناتٍ) للحجج رافعة للشبهات وهي وان لم تخرج عقلاء العالم من ظلمات الاوهام والخيالات فهي (لِيُخْرِجَ) أهل الانصاف اعتقادا وعملا وهم (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) أي من ظلمات ضلال الاوهام والخيالات إلى نور التحقيق والهداية (وَ) هذا وان أوجب الإيمان والعمل بتلك الاوامر على تعب من مخالفة العقل وضيق لكنه إذا انكشف السر وقع في لذة كاملة واتساع عظيم لأن (مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ) فلا يبعد ان يدخله في الدنيا في جنات لذات العبادات والاعتقادات والاتساع فيها (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) فلا يبعد ان يجرى لهؤلاء انهار المعارف (خالِدِينَ فِيها أَبَدًا) فلا يبعد ان يزداد معارف هؤلاء ولا يبعد ان يرزق مثله الاطلاع على اسرار تخفى على كمل العالم لأنه (قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا) في الاسرار ولم يحسن لسائر أولى الألباب ولا يبعد ان يخلق اللّه في الإنسان اطوارا ويخلق لكل طور ادراكا كالقوى والنفس والعقل والقلب والسر والروح والخفاء إذ

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ) للمجردات (سَبْعَ سَماواتٍ وَ) للماديات (مِنَ الْأَرْضِ) أي العالم السفلى طبقات (مِثْلَهُنَّ) طبقة النار الصرفة وطبقة الاثير الممتزجة بالهواء يتولد فيها الشهب وذوات الاذناب وطبقة الزمهرير وطبقة الهواء الصرف وطبقة الماء الصرف وطبقة الطين المركب من الماء والتراب وطبقة التراب الصرفة عند المركز ولا يبعد ان يتنزل الأمر الالهى من هذه الاطوار إلى الاعضاء الدماغ والكبد والعين والاذن والانف واللسان والبشرة كما انه (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ) الالهى (بَيْنَهُنَّ) بالتحريك والتكوين والفساد وانما فعل ذلك (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لأنه لما قدر على الأسباب والمسببات دفعا لتسلسل الأسباب قدر على المسبب بدون الأسباب (وَ) لكنه راعى الحكمة في ترتيب المسببات على الأسباب لتعلموا (أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) فيقدر على إنزال ما لا يدركه عقول أكثر أولى الألباب ويعلم من الأسباب الموجبة للثواب والعقاب ما لا يدركه عقولهم* تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت