تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 351
سميت به تنبيها على عجب تحريم النبى ما أحل اللّه له لابتغاء رضا مخلوق ناقص وعجب ما يترتب عليه من تحليله مرة أخرى بايسر شيء وهو الكفارة
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى بكمالاته في أحكامه بحيث لو غيرت رجعت إلى حالها بادنى شيء (الرَّحْمنِ) برفع الحرج عنها بالكفارة (الرَّحِيمِ) بالعفو عن المغير روى ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خلا بمارية في يوم حفصة فعلمت بذلك فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حرّمت مارية على نفسى وأبشرك ان أبا بكر وعمر يملكان أمر أمتى واستكتميها فاخبرت بذلك عائشة وكانتا متصادقتين فغضب عليه السّلام عليها وطلقها طلاقا رجعيا واعتزل نساءه تسعا وعشرين يوما فانزل اللّه تعالى
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ) ناداه ليقبل إليه بالكلية ويدبر عن كل ما سواه من الازواج وغيرهنّ وعبر عنه بالمبهم إشعارا بانه من غاية عظمته بحيث لا يعلم كنهه وأتى بحرف التنبيه تنبيها على غفلته عن مقداره وأتى بلفظ النبى إشعارا بانه الذي نبئ باسرار التحليل والتحريم الالهى (لِمَ تُحَرِّمُ) مع ان مقتضى نبوّتك ان لا تغير شيأ من حكم اللّه بعارض يمين أو غيره (ما أَحَلَّ اللَّهُ) باعتبار ذاته وجميع أسمائه (لَكَ) يا اكمل الخلائق (تَبْتَغِي) أي تطلب بتحريم ما فيه أكمل جهات الحل (مَرْضاتَ أَزْواجِكَ) مع انهنّ دون الرجال الذين يجب عليهم طلب رضاك وحقك ان لا تلتفت لرضا مخلوق على خلاف رضا اللّه (وَاللَّهُ غَفُورٌ) لذنب حالك وذنب أزواجك إذا لجائك إلى تحريم ما أحل اللّه لك (رَحِيمٌ) بك وبهنّ إذ لم يؤاخذ بذنب هذا التحريم الذي يشبه اعتقاد تحريم الحلال وهو كفر ومن رحمة اللّه انه
(قَدْ فَرَضَ) أي قدر (اللَّهُ لَكُمْ) كفارة لهذا التحريم تشبه كفارة تقع (تَحِلَّةَ) عقد (أَيْمانِكُمْ) التي عقدت تحريم الحلال أو غيره وتحريم المرأة إذا لم ينوبه طلاقا ولاظهارا ولا عتاقا بل تحريم الذات توجب كفارة يمين وكذا ان لم ينو على أصح قولى الشافعى وان حرم طعاما فلا كفارة قيل اعتق عليه السّلام رقبة في تحريم مارية وقيل لم يكفر لأنه كان مغفورا له (وَ) انما فرض ذلك لينصركم على أنفسكم المتبادرة إلى تحريم الحلال إذ (اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ) بما يحل اليمين (الْحَكِيمُ) في الأمر بحله حيث كان فعل ما حرم باليمين خيرا
(وَ) ان لم تعرف قدر المغفرة والرحمة في حقك حين حرمت ما أحل اللّه لك لرضا أزواجك فاذكر غضبه لغضب النبى صلّى اللّه عليه وسلّم (إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا) حديث مارية وخلافة أبى بكر وعمر فافشت إلى بعض أزواجه (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) بعض أزواجه (وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) غضبا عليها لفعلها ما يغضبك (عَرَّفَ بَعْضَهُ) حديث مارية فلامها وطلقها واعتزل نساءه (وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) حديث الخلافة مخافة انتشارها الموجب للتحاسد (فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ) لترددها انه من عائشة فتغضب عليها أو من اللّه (مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) من غضبه لغضب نبيه وكما غضب اللّه عليها غضب على من أفشت إليها وهي عائشة لرضاها به فقال لهما
(إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ) ليرضى عنكما فيرضى رسوله (فَقَدْ صَغَتْ) أي مالت عن الواجب من مخالفة الرسول بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه (قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ) أي تتعاونا على مخالفته (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ) أي