تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 383
الانس
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) بهذا الفصل اعتمادا على كيدهم فلم يهتموا بتمييز الحجج عن الشبه ولذلك يقال لهم حين ما يصاربهم إلى ذلك الظل
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ) أي الذين خافوا ان يلتبس عليهم الحجج بالشبه والشبه بالحجج (فِي ظِلالٍ) تدفع عنهم الحر إذ كانوا مستظلين بالادلة المفيدة برد اليقين (وَعُيُونٍ) تدفع عنهم حر العطش لما تفجر من حججهم عيون المعارف اليقينية
(وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ) تدفع عنهم حر الجوع لشبعهم من التحقيق فيقال لهم ضما للثواب العقلى وهو الاكرام إلى الحسى
(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا) لا يشوبه تنغيص كتنغيض الشبه (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) من تخليص الحجج عن تنغيص الشبه وانما تيسر لكم ذلك لنظركم إلى اللّه
(إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) الناظرين إلى اللّه في أعمالهم
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) بفائدة تمييز الحجج عن الشبه والشبه عن الحجج في الآخرة فإن زعموا ان هذا انما يقال لهم يوم القيامة في زعمكم وهم يحرمون الآن ونحن يطعمنا اللّه ويسقينا الآن ولا يبعد ان يديم لنا فيه ذلك يقال لهم
(كُلُوا وَتَمَتَّعُوا) بالمنافع الدنيوية زمنا (قَلِيلًا) ولا يدوم لكم ذلك لكفركم بالمنعم (إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ) والمجرم يستجق السياسة لا الانعام وليست عليكم في الدنيا فهي في الآخرة
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) بأمر الآخرة لاجل الدنيا الفانية
(وَ) كيف لا يكونون مجرمين مع انهم (إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا) أي صلوا شكرا لربكم على ما أنعم عليكم وتذللا له (لا يَرْكَعُونَ) إذ لا يعترفون بنسبة النعم إليه ولا بوجوب الصلاة عليهم له
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) بنسبة النعم إلى اللّه ووجوب الصلاة شكرا له عليها وإذا لم يؤمنوا بهذا الحديث العجيب المعجز المبين لكل ما يحتاج إليه
(فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) * تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين
سميت به لعظمته في ذاته ووقوعه وتعقله بحيث لا يزال مختلفا فيه وان بولغ في بيانه
[تفسير بسم الله]
(بِسْمِ اللَّهِ) المتجلى بكمالاته في نبا القيامة حيث ظهر للبعض بما فيه من الجمال وخفى عن البعض بما فيه من الجلال (الرَّحْمنِ) بتعظيم شأنه لاصلاح أفعال عباده (الرَّحِيمِ) بتأخيره باعتبار ذاته وتعقله عن العامة لئلا تتعطل أمورهم
(عَمَّ يَتَساءَلُونَ) سأل سبحانه وتعالى توبيخا وتبكيتا عن سؤال بعضهم بعضا عن حقائق الأمور الأخروية البعيدة عن أفهام العامة ليفضى إلى إنكارها أو التشكيك فيها مع ان الإيمان بها لا يتوقف على ذلك ولا بد منه لأنهم يتساءلون
(عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) في ذاته على السائلين وقوعا وتعقلا فهو
(الَّذِي) وإن بولغ في بيانه (هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) اختلافا لا ينقطع إذ ينفيه بعضهم بالكلية ويجعله بعضهم عقليا وبعضهم خياليا وبعضهم حسيا وبعضهم طورا وراء ذلك والحق انه جامع فربما يفضى إلى الإنكار أو التشكيك
(كَلَّا) ردع لهم عن السؤال بقصد افضائه إلى الإنكار أو التشكيك (سَيَعْلَمُونَ) في البرزخ بطريق التخيل
(ثُمَّ كَلَّا) ردع لهم عن ان يعتقدوا انه حقيقته