تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 382
الْآخِرِينَ) كقوم لوط وشعيب وموسى وغيرهم
(كَذلِكَ) أي مثل ذلك الإهلاك الدنيوى (نَفْعَلُ) يوم القيامة (بِالْمُجْرِمِينَ) كلهم لكنه يكون بحسب شدة ذلك اليوم
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) من الاولين والآخرين المهلكين في الدنيا وغيرهم فإن زعموا ان الأمر الأخروى انما يقاس على الأمر الدنيوى بعد ثبوته لكنه بعيد يقال لهم لا وجه لاستبعاده فانه أيضا مثل الخلق الدنيوى
(أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) كمهانة لحوم الاموات وعظامهم الرميمة ولا يمنع من احيائها طول مدة لبثها في الأرض فانه كمدة لبث النطفة في الرحم فانا استقررنا الماء المهين
(فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ) هو الرحم
(إِلى قَدَرٍ) أي مقدار من مدة الحمل (مَعْلُومٍ فَقَدَرْنا) على احياء ذلك الماء المهين بعد لبثه في الرحم هذه المدة المديدة (فَنِعْمَ الْقادِرُونَ) على احياء اللحوم والعظام بعد لبثها مدة مديدة في الأرض
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) هذه القدرة بعد ظهور نظيرها فإن زعموا ان ذلك لخاصية الرحم والا فالنطفة لو جعلت في الأرض لم يتولد منها إنسان يقال
(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا) أي كافتة ضامة
(أَحْياءً) كالحشرات (وَأَمْواتًا) كالجمادات
(وَ) ان زعموا انه ليس في الأرض لطافة المنى التي باعتبارها يتولد منه الإنسان وانما يتولد منها سائر الحشرات يقال في الأرض ما هو في غاية الغلظ ويتولد منه ما هو في غاية اللطافة إذ (جَعَلْنا فِيها رَواسِيَ) أي جبالا (شامِخاتٍ) أي مرتفعة لصلابتها (وَ) أخرجنا منها ما هو في غاية اللطافة إذ (أَسْقَيْناكُمْ) من تحتها (ماءً فُراتًا) فلا يبعد ان يخلق من الأرض ما له لطافة المنى فيخلق منه الإنسان مرة اخرى
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) قدرته على خلق الإنسان مرة اخرى بهذه الشبهات الواهية بحيث يقال لهم
(انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) من الجزاء
(انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ) أي دخان (ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ) شعبة تقف فوق الكافر واخرى عن يمينه واخرى عن شماله على عدد الشبهات المذكورة الم نهلك الاولين الم نخلقكم الم نجعل الأرض أو على عدد القوى المؤدية إلى هذا العذاب الوهمية التي في الدماغ والغضبية التي في يمين القلب والشهوية التي في يساره
(لا ظَلِيلٍ) يدفع الحر (وَلا يُغْنِي) أي لا يدفع شيأ (مِنَ اللَّهَبِ) فضلا عن الحر
(إِنَّها) أي النار التي لها هذا اللهب (تَرْمِي) من افراط غضب اللّه عليهم (بِشَرَرٍ) ما تطابر من النار (كَالْقَصْرِ) في عظم المقدار
(كَأَنَّهُ) في اللون والتتابع وسرعة الحركة (جِمالَتٌ) ابل (صُفْرٌ) لما فيها من النارية
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) بهذا الجزاء وكيف لا يكون غضب اللّه عليهم إلى هذا الحد بعد ما لزمهم الحجة المؤدية للذهاب إلى هذا الظل بحيث يقال
(هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ) بدفع شيء مما لزمهم
(وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ) في الاعتذار بالاعذار الواهية (فَيَعْتَذِرُونَ) بل انما يؤذن بالاعذار القوية وهم لا يجدونها لتكذيبهم في الدنيا بالحجج وتمسكهم بالشبه
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) بالحجج لاجل الشبه ثم يقال لهم
(هذا يَوْمُ الْفَصْلِ) بين الحجج والشبه (جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) فيه للانصاف
(فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ) في تلبيس الحجج بالشبه والشبه بالحجج (فَكِيدُونِ) ان تأتى لكم معى كما تأتى مع ضعفاء