تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 236
ان شرككم إنكار لرحمانيته ورحيميته وانه لعدم كفايته وحده (أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ) من اعتقاد عدم الكفاية (بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ) أي عالم العناصر (فِي يَوْمَيْنِ) يوم لمادتها ويوم لصورتها الجسمية فتجعلونه غير كاف في التكوين والافساد فيها (وَ) لذلك (تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا) أي أمثالا ومتى يتصور له الامثال مع انها حادثة مربوبة (ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَ) لكن من كمال تربيته جعل البعض أسبابا للبعض لذلك
(جَعَلَ فِيها رَواسِيَ) جبالا رفيعة (مِنْ فَوْقِها) لتستقر بثقلها فلا تحركها رياح ولا مياه (وَ) باستقرارها استقرت الحيوانات إذ (بارَكَ فِيها) بايجاد الحيوانات (وَقَدَّرَ فِيها) لاستقرار بقاء الحيوانات إلى آجالها (أَقْواتَها) في يومين يوم للحيوانات ويوم للاقوات فصار الكل (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) ولم يجعل لمادّة كل عنصر يوما لاتحادها فيها ولا لصورتها النوعية إذ هي في حكم الاعراض المتزايلة ولم يجعل للجبال يوما ولا للمعادن لأنهما من اجزاء الأرض فكانت هذه الايام (سَواءً) أي مستقيمة في الجواب (لِلسَّائِلِينَ) عن عدد أيام الشؤن الكلية الالهية
(ثُمَّ) لما كان الكون والفساد في هذا العالم منوطا بالاوضاع الفلكية بمقتضى السنة الالهية من غير حاجة (اسْتَوى إِلَى) تصوير (السَّماءِ وَ) قد وجدت مادتها (هِيَ دُخانٌ) حصل من ضرب الريح الماء الذي كان عليه العرش وحصل منه أيضا زبد هو مادة الأرض (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا) لما فيكما بالقوّة إلى الفعل (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) وإن كان فيها ما يؤدى إلى النقص طلبا لرضاك ولما لم يتم الكون والفساد الا باختلاف الاوضاع ولا اختلاف الا بتكثير السموات ولا بد من احكامها لتبقى دهورا
(فَقَضاهُنَّ) أي أحكمهن بإزالة رخاوة الدخان (سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ) يوم للفلك ويوم للكواكب ولم يجعل لمادتها يوما لأنها كمادة الأرض فدخلت في يومها (وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها) لتختص كل سماء بتأثير مع تأثير الاوضاع المختلفة (وَ) جعلناها محل النظر إذ (زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ) معلقة بها وبما فوقها ليكون داعيا إلى الاستدلال بها على قدرة صانعها وحكمته وجماله (وَ) جعلنا النظر حفظا عن الوساوس الشيطانية كما جعلنا المصابيح (حِفْظًا) لأخبار السماء ولم يكن ذلك لحاجة له إلى الأسباب بل (ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ) أي الغالب على كل شيء لكن اقتضى عمله ترتيب بعض الأمور على بعض بمقتضى اسمه (الْعَلِيمِ فَإِنْ أَعْرَضُوا) عن هذا الاستدلال وعن الإيمان بهذا العزيز العليم
(فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ) مع العذاب الأخروى عذابا شديد الوقع يشبه (صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) لانكم مثلهما في العناد ومثل عاد في الاستكبار ومثل ثمود في استحباب العمى على الهدى اما عنادهم فهي
(إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ) مبينين لهم ما يكون (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) من الرجوع إلى اللّه عز وجل والثواب والعقاب (وَ) ما كان (مِنْ خَلْفِهِمْ) من المبدا وما جرى على الكفار السابقين قائلين لهم (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) الذي منه المبدا واليه المعاد (قالُوا) انما نسمع قولكم لو صحت رسالتكم لكنها من المحالات الصريحة إذ (لَوْ شاءَ رَبُّنا) ارسال رسول (لَأَنْزَلَ) من عنده (مَلائِكَةً) كما يفعله الملوك في الارسال