تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 237
إلى بعض قراه فانه لا يرسل إليها من هو فيها فانه غير معقول فإذا استحالت رسالتكم (فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ) من عبادة اللّه وحده (كافِرُونَ) هذا ما اشترك فيه الفريقان وأما الذي افترقا فيه
(فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا) مع كونهم (فِي الْأَرْضِ) لا بالحق على ما سواه بل (بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ) هو قوّة أنفسهم إذ (قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) نخاف عذابه لو تركنا عبادته أو عبدنا معه غيره (أَ) ذهلوا عن قوّة اللّه (وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي) أعطاهم القوة إذ (خَلَقَهُمْ) بجميع اعراضهم (هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) إذ أثر في نفس قوتهم بقوته لكن انما يعرفه الناظر في الدلائل (وَ) هؤلاء (كانُوا بِآياتِنا) التي هي أقوى الدلائل (يَجْحَدُونَ) والمنكر لعذابه تمسكا برحمته كأنه يدعى انه أقوى منه بهذا التمسك وقد زعم بعضكم أنه أقوى من الزبانية
(فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ) لدعواهم القوّة (رِيحًا صَرْصَرًا) أي شديد الصوت في هبوبها وتأكدت شدتها بكونها (فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ) تسلب عنهم سعادة القوّة لو كان لها مقاومة الريح (لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ) بالدفن في التراب مع كونهم (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ) على استكبارهم (أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ) بقوتهم التي استكبروا بها
(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ) بإخراج الناقة من الصخرة إلى البعث (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى) بحبهم دوابهم التي كانت تحجبهم عن اللّه بكونها أسباب المعاش وكانت تهرب من الناقة لعظمها فتموت بالبرد في الشتاء لكون الناقة بأعلى الوادى وبالحرفى الصيف لكونها بأسفله فذبحوا الناقة وان كان يحصل لهم منها ما يحصل من دوابهم (فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ) أي شدة (الْعَذابِ الْهُونِ) لارادتهم ترجيح دوابهم على ناقة اللّه (بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) من التكبر بدوابهم على من سواهم مع تكبرهم على آيات اللّه ورسله
(وَ) يدل على ذلك انا (نَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ) من عذابهم مع مخالطتهم اياهم (وَ) كما أنذرتكم صاعقة عاد وثمود في الدنيا أنذرتكم صاعقتهما
(يَوْمَ يُحْشَرُ) أي يجمع لمزيد الفضيحة بين الأوّلين والآخرين (أَعْداءُ اللَّهِ) المشركون والجاحدون كمن أشرك بملك البلد غيره أو جحده ليضاربهم معها (إِلَى النَّارِ فَهُمْ) ينكرون عداوته ومخالفته لذلك (يُوزَعُونَ) أي يحبس أولهم على آخرهم ليتم الزام الحجة عليهم بين جميعهم فلا يبقى لهم مقال لأنهم لا يزالون يجادلون عن أنفسهم
(حَتَّى إِذا ما جاؤُها) فبالغوا في إنكار المخالفة (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ) بأنهم سمعوا الحجج فأعرضوا عنها وسمعوا الشبه فاتبعوها وسمعوا الفواحش فاستحسنوها (وَأَبْصارُهُمْ) بأنهم رأوا الآيات فلم يعتبروها ورأوا القبائح فاختاروها (وَجُلُودُهُمْ) بأنهم باشروا المعاصى فوصل أثرها إلى القوة اللامسة منهم فيشهد كل عضو وجزء (بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ) المدركة ألم العذاب الذي لا يدركه السمع والبصر
(لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا) بما يوجب ايلامكم (قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ) بهذه الشهادة في الباطن أولا كما انه (الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) في الباطن بتسبيحه (وَ) أظهره الآن عليكم كما فعل فيكم بتوحيده إذ (هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) موحدين ثم ستر عليكم التوحيد ثم أظهره عليكم اليوم (وَ) ذلك حين (إِلَيْهِ