تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 238
تُرْجَعُونَ وَ) لا يبعد انطاق اللّه ايانا بهذه الشهادة ظاهرا وباطنا مع انكم
(ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ) عند فعلكم الفواحش عن السمع والابصار والجلود مخافة (أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا) مخافة أن يشهد عليكم (أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ) باشهاد اللّه اياها وان فرض علمكم انها تشهد عند الاستشهاد ولكنه انما يتصور لو علم اللّه بجميع أفعالكم فاستشهدها عليها (وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ) لنفيكم علمه بالحوادث الجزئية (لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ) من جهله بأكثر أعمالكم مع انه الذي رباكم بخلق علمها فيكم (أَرْداكُمْ) أي أهلككم بالجراءة على مخالفته في الدنيا ومجادلته في القيامة (فَأَصْبَحْتُمْ) أي صرتم (مِنَ الْخاسِرِينَ) لأعمال النجاة والدرجات في الدنيا ونيلهما في الآخرة فلم يبق لهم الا الصبر أو الاستعتاب
(فَإِنْ يَصْبِرُوا) لم يكن صبرهم مفتاح الفرج (فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا) أي طلبوا العتبى وهو الرجوع إلى ما يحبون (فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) أي المجابين إليه
(وَقَيَّضْنا) أي عوّضنا (لَهُمْ) عن محبوبهم الذي طلبوا الرجوع إليه (قُرَناءَ) من الشياطين الانس والجن الذين قارنوهم في الدنيا (فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) من الموت على الكفر بأنه مفيد للسعادة بشفاعة معبوديهم (وَما خَلْفَهُمْ) من اللذات العاجلة (وَ) باغترارهم بهذا التزيين (حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) لأملأن جهنم لدخولهم اعتقادا وعملا (فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ) فحق عليهم القول اتفاقا (مِنَ الْجِنِّ) كابليس وأعوانه (وَالْإِنْسِ) كعاد وثمود وقد عذبوا لا بطريق الابتلاء المطمع في الاجر بل (إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فستروا زينة أدلة القرآن عن أتباعهم الذين زينوا لهم شبهاتهم الواهية (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ) المشكك في دين آبائكم (وَ) ان اتفق سماعكم له (الْغَوْا فِيهِ) اعراضا عن التدبر فيه (لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) حججه التي يغلب بها عقولكم وإذ كانوا مريدين للغلبة على حججنا بعنادهم نغلبهم بشدة العذاب
(فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَ) لما أساؤا إلى أدلتنا بالالغاء (لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ) لا ما عملوا من الصالحات لعداوتهم مع المجازى
(ذلِكَ) الجزاء بالاسوا دون الاحسن (جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ) وهي (النَّارُ) القاتلة لهم دائما ولا يفنون بهذا القتل بل (لَهُمْ فِيها) أي في النار (دارُ الْخُلْدِ) يخلد فيها وحده وهي الصناديق التي يجعلون فيها آخرا يبقى بذلك أبد الآباد الكل (جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا) الدالة على العظمة الدائمة (يَجْحَدُونَ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا دلائل القرآن وسائر الحجج الالهية إذا ستر عنهم المضلون الذين قالوا لهم لا تسمعوا لهذا القرآن لينتفعوا بمتابعتهم انتفاع امام البغاة بعسكرهم حين ينعكس عليهم الأمر فيقولون (رَبَّنا أَرِنَا) الفريقين (الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا) كما كنا تحت أقدامهم (لِيَكُونا) بدل طاعتنا لهم (مِنَ الْأَسْفَلِينَ) من أهل الدرك الاسفل من النار ثم أشار إلى قرناء الخير لأهله فقال
(إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ) فانهم وان أنكروا ربوبية الملائكة ناسبوا الملائكة في توحيدهم (ثُمَّ اسْتَقامُوا) في أخلاقهم وعقائدهم وأعمالهم فزادت مناسبتهم معهم فأوجبت مقارنتهم لذلك (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ)