تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 27
بالمعارف وبالوصول إلى اللّه تعالى وهو رضا بمشاركة أهل الضلال والغضب ولا ينافى ذلك ما وعدناهم من ضنك العيش لأن غاية أمرهم انا اعطيناهم (زَهْرَةَ) أي زينة (الْحَياةِ الدُّنْيا) والزينة سيما الدنيوية تتضمن المشاق العظيمة الموقعة في الضيق ولا يخلو صاحب المال عن ضيق خوف التلف على يد الظالم أو السارق أو بوجه آخر ولو سلم عن ذلك فهو أيضا عين الضيق لمن نظر بعين الحقيقة لانا انما اعطيناهم اياها (لِنَفْتِنَهُمْ) أي نختبرهم كيف يتصرفون (فِيهِ) أعلى النهج المشروع وفيه الضيق الحسى أم لا وفيه ضيق استيجاب العذاب (وَ) لو خلا عن هذه الأمور فهو ضيق أيضا لأنه الاشتغال بالعالم المحسوس الذي هو أضيق من العالم الروحانى لذلك (رِزْقُ رَبِّكَ) المعنوى للأرواح (خَيْرٌ) من الحسى لعظمته (وَأَبْقى) لبقاء الروح المغتذى به بخلاف البدن المغتذى بالرزق المحسوس فانه وان تقوى به مدة فلا بقاء له
(وَ) لكون المعنوى خيرا وأبقى (أْمُرْ أَهْلَكَ) أهل الكمال المستعدين لاستفاضة الرزق المعنوى (بِالصَّلاةِ) الجاذبة لها (وَ) ان وجدتها مانعة من طلب الرزق المحسوس (اصْطَبِرْ) عن المحسوس (عَلَيْها) وليس ذلك ايقاعا للنفس في التهلكة إذ (لا نَسْئَلُكَ) أي لا نكلفك تكليفا نسأل عنه ان تطلب (رِزْقًا) لمنافاته تكليفنا اياك بالصلاة ولا يبطل التكليف بالصلاة بعدم الاستطاعة عليها بدون الرزق إذ (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَ) لو طلبت الرزق بترك الصلاة فلا عاقبة له إذ (الْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) التي من إعظم وجوهها الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر فاما ان يذهب سريعا أو يوجب عقوبة أخروية
(وَقالُوا) حين سمعوا ورزق ربك خير وأبقى إلى قوله والعاقبة للتقوى (لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ) تدل على ما ذكرتم يعلم أنها (مِنْ رَبِّهِ) لنحصله ونترك من أجله الأموال واللذات العاجلة (أَ) لم تأتهم الآيات الكثيرة (وَ) لو انكروها فكيف ينكرون إعجاز القرآن فيقولون (لَمْ تَأْتِهِمْ) كلام معجز هو (بَيِّنَةُ) أي شاهد صدق (ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) التي لا إعجاز لها فلا بد لها من مصدق هي معجزات الاولين في أزمنتهم فإذا بطل تواترها كان هذا المعجز بينة تلك الكتب ولا ينافى ذلك استدلالنا بها على صدقه لأن ذلك باعتبار انها مقبولة لطائفة وهذا باعتبار نفس الأمر
(وَ) لو أرادوا الآية الملجئة فلا يلجئهم سوى الإهلاك لكنا (لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ) يلجئهم إلى الإيمان (مِنْ قَبْلِهِ) أي من قبل غير الملجئة (لَقالُوا رَبَّنا) إنك وإن لم يجب عليك شيء لكن مقتضى ربوبيتك ارسال الرسول (لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) بآيات غير ملجئة (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ) فلا يكون لإيماننا عزة لزوال الاختيار (وَنَخْزى) بالعذاب فإن زعموا ان غير الملجئة يحتمل الكذب فإن صدقت عذب المنكر والا فالمفترى
(قُلْ) حاصل هذا الكلام (كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ) على صاحبه العذاب (فَتَرَبَّصُوا) على صاحب الآيات مع استقامته دون المكذبين حتى تأتيهم الآية الملجئة فلا بد من اتيانها (فَسَتَعْلَمُونَ) عند اتيانها المانع من الانتفاع بالإيمان (مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ) هل هم الانبياء والاولياء أو العلماء والآباء الاغبياء (وَمَنِ اهْتَدى) هل هو المقتدى بالانبياء او الآباء* تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين محمد وآله اجمعين