تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 369
القرآن وانطاقهم بذلك
(قُلْ) لمن يقول انما كان القرآن معجز البشر لكونه كلام الجن انهم اعترفوا بإعجاز القرآن لا بطريق الخبر منهم حتى يكون محتملا للصدق والكذب بل بطريق الوحى الالهى فانه (أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ) انهم اعترفوا بإعجازه حين (اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ) فرجعوا إلى اصحابهم (فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا) أي كتابا جامعا للحقائق الالهية والكونية والاحكام والمواعظ وجميع ما يحتاج إليه في أمر الدارين (عَجَبًا) غريبا لا تناسبه عبارات الخلق ولا يدخل تحت قدرتهم ومع ذلك
(يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) الذي هو أعلى مراتب التحقيق فعلمنا انه لا يكون الا من اللّه لتصديق رسوله (فَآمَنَّا بِهِ) إذ لو لم نؤمن به لزمنا الاشراك باللّه في إنزال المعجز (وَ) لكن (لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا وَ) كيف نشرك به مع أن الاله يجب ان يكون له أعلى مراتب العظمة على الاطلاق
(أَنَّهُ تَعالى جَدُّ) أي عظمة (رَبِّنا) أن يشارك فيها أو يكون من يقاربه في العظمة لذلك (مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا وَ) انما كنا نقول بالصاحبة والولد والشريك اتباعا لابليس على سفاهته
(أَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا) ابليس (عَلَى اللَّهِ شَطَطًا) ما يبعد عن شأنه
(وَ) لكن ما عرفنا ذلك (أَنَّا ظَنَنَّا أَنْ) أي انه (لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ) مجترئين (عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) إذ لا يجترأ على ذى جاه من الخلق فكيف يجترأ على اللّه
(وَ) لكنهم اجترؤا من الكبر الحاصل لهم من قول الانس (أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ) يقولون إذا أمسوا بفقر نعوذ بسيد هذا الوادى من سفهاء قومه (فَزادُوهُمْ رَهَقًا) أي طغيانا على اللّه
(وَ) انما اجترؤا لظنهم ان لا بعث (أَنَّهُمْ) أي الجن (ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ) أيها الانس (أَنْ) أي انه (لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا وَ) قالوا انا سمعنا هذا القرآن حين منعنا من أخبار السماء
(أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ) أي قصدنا الوصول إليها كأنا نريد لمسها (فَوَجَدْناها مُلِئَتْ) ملائكة تحرسنا من الوصول إليها (حَرَسًا شَدِيدًا) أي قويا لا يمكننا مقاومته (وَشُهُبًا) بايديهم ليرمونا بها
(وَ) انما قصدنا الوصول إليها لاستماع كلامهم (أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها) أي من السماء (مَقاعِدَ) كثيرة (لِلسَّمْعِ) أي سمع كلام الملائكة باخبار ما يحدث في الأرض لنخبر بها الكهنة وكانت خالية عن الحرس والشهب (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ) بعد نزول القرآن (يَجِدْ لَهُ شِهابًا) يرصده (رَصَدًا وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ) لمنعهم أخبار ما يحدث فيها (أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) أي خيرا فمنع الشياطين أن يخلطوا اكاذيبهم
(وَ) الظاهر ارادة الرشد (أَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ) لا يضمون إلى ما سمعوا شيأ من الاكاذيب (وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ) يضمون إلى ما سمعوا اكاذيب فيخلطون الصدق والكذب وهو خلط الصلاح بالفساد ولا تتفق اكاذيب واحد باكاذيب الآخر فيلزم الاختلاف إذ (كُنَّا طَرائِقَ قِدَدًا) أي متفرقة فلا يتفق الاكاذيب أيضا فمنعت جميع تلك الطرق الا طريق الصدق المحض وهو الوحى
(وَأَنَّا) عند غلبة الظن ارادة الرشد بأهل الأرض (ظَنَنَّا) أنا لو بقينا على ما نحن عليه لا يبعد ان يهلكنا وظننا (أَنْ) أي انه (لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ) مع انحصارنا (فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ) إذا هربنا من ظهرها إلى بطنها (هَرَبًا وَأَنَّا) ظننا انه انما يهلك من لا يؤمن بالهدى بعد سماعه لذلك (لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ) لنأمن (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا) أي نقصا لحقه (وَلا رَهَقًا) أي ذلة فضلا عن الإهلاك
(وَ) مع هذا