تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 176
مبالغة في اعزازهم (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا) عن عبادته (وَاسْتَكْبَرُوا) عن عبوديته (فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا) يذللهم به أشد من التذلل بالعبادة والعبودية (وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا) يعزهم (وَلا نَصِيرًا) يدفع عنهم ذلتهم فهؤلاء علموا ان في الاستنكاف كمال الذلة التي يهربون عنها وفى الانقياد كمال العزة التي يطلبونها وأنتم ترون كمال العزة في الاستنكاف وكمال الذلة في الانقياد مع انكم تدعون انكم راسخون وأدى بكم رسوخكم إلى القول بأن التعزز عزة والتذلل ذلة مع انهما انما يكونان من اعزاز اللّه وإذلاله ثم أشار إلى انه انما يأخذ العوام بقول الراسخين فيما لم يظهر لهم برهان قطعى على خلاف قولهم
(يا أَيُّهَا النَّاسُ) أي الذين نسوا البرهان القطعى من عقولكم (قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) الذي ربى بالدلائل النقلية مقتضى عقولكم فأيدها (وَ) ليس من المقدمات الخفية لكن لما خفيت عليكم لعدم التفاتكم إليها (أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ) من مقام عظمتنا (نُورًا مُبِينًا) من المقدمات البديهية لا مما يشبهها من الكوإذب حتى ظهر لكم بذلك كفر الراسخين من غلوهم حتى صاروا محل غضبه لمكابرتهم مع القطعيات في حق اللّه
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ) فلم ينقصوا شيأ من حقه بإثبات الشريك أو الولد (وَاعْتَصَمُوا بِهِ) أي ببرهانه ونوره (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ) مع تركه الراسخين من هؤلاء في غضبه (وَ) لو نجاهم لأن غلطهم من اجتهادهم فيدخل هؤلاء في (فَضْلٍ) منه يتفضلون به على الراسخين منهم في زعمهم كيف وقد ضلوا ضلالا (وَ) هؤلاء (يَهْدِيهِمْ) هداية توصلهم (إِلَيْهِ) أي إلى مقام قربه إذ يسلكهم بتمسكهم بالبرهان والنور المبين (صِراطًا مُسْتَقِيمًا) مع اضلاله الراسخين في زعمهم من غلوهم ومن هداية اللّه لمن تبع برهانه ونوره الاطلاع على أحكام المواريث التي حار فيها عقول الخلائق فهم
(يَسْتَفْتُونَكَ) في المواريث سيما ميراث الكلالة (قُلِ اللَّهُ) لا من تزعمون رسوخهم (يُفْتِيكُمْ) أيها الحيارى في الميراث سيما (فِي الْكَلالَةِ) وهو من لا ولد له ولا والد له وله اخوة أو اخوات أو كلاهما فيقول (إِنِ) مات (امْرُؤٌ هَلَكَ) أي تحقق موته (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) ولا والد ولكن لم يذكره لظهور حجبيته للاخوة لأنه أقرب حائز والولد قد لا يكون حائزا كالبنت ولا حجب له ظاهرا لأن الاخوة ليست مدلية بهم والام لا حيازة لها (وَلَهُ أُخْتٌ) من الابوين ثم من الأب (فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ) تنزيلا لفرع أصله منزلة فرعه عند عدمه (وَهُوَ) أي المرء (يَرِثُها) أي الاخت حائزا (إِنِ) هلكت ولم (يَكُنْ لَها وَلَدٌ) لأنه فرع أصلها فنزل منزلة فرعها الحائز عند عدمه لأنه ذكر والاصل فيه الحيازة وان كانت لها بنات أخذ الباقى وان كان لها ابن حجب بالكلية (فَإِنْ كانَتَا) أي الوارثتان من أولاد الابوين أو الأب أختين (اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ) إذ لا حيازة لهما وكذا ما فوق الاثنتين إذ لا مزيد لهن على بنات الصلب (وَإِنْ كانُوا) أي الوارثون من أولاد الابوين أو الأب (إِخْوَةً) ذكر ليعلم ان الوراثة للاخوّة لا للذكورية ولم يقل واخوات ليعلم ان التفضيل ليس من جهة الاخوّة بل من جهة اجتماعهم (رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) كاجتماعهم في أولاد الصلب (يُبَيِّنُ اللَّهُ)