تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 175
منه في اظهار المعجزات على يدى الكاذب لأنه اما لتحصيل خير من جر نفع أو دفع ضرر لاستحالة ذلك في حقه فانكم (إِنْ تَكْفُرُوا) فهو غنى عن الكل فلو فرضت له حاجة إلى شيء فلا يحتاج اليكم (فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَ) اما للجهل بقبحه واما للعبث لكنهما لا يتصوّر ان في حق اللّه تعالى إذ (كانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) فتعين ان اظهارها لتحصيل الخير لكم لا غير ان آمنتم وتحصيل الضرر لكم ان كفرتم إذ لا يتصوّر العكس من الحكيم وكيف تقلدون هؤلاء لرسوخهم وقد أدى بهم رسوخهم إلى الغلو الذي حقكم ان تنهوهم عنه لا أن تقلدوهم فيه فقولوا لهم
(يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) بتعظيم عيسى فوق حده (وَ) لو بالغتم في تعظيمه (لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) فلا تثبتوا له شريكا أو ولدا (إِنَّمَا الْمَسِيحُ) اسمه (عِيسَى) لا اللّه (ابْنُ مَرْيَمَ) لا ابن اللّه وبالنظر إلى معجزاته هو (رَسُولُ اللَّهِ وَ) إلى ولادته من غير أب (كَلِمَتُهُ) لا جزؤه (أَلْقاها) أي وصل صورتها (إِلى مَرْيَمَ) هذا من جهة تكوين جسده (وَ) من جهة تكوين روحه غايته انه (رُوحٌ) وصل منه لا من سائر العقول والسموات فلو قلتم انه اللّه أو ابنه كنتم كافرين باللّه (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ) ليس هذا منعا من الإيمان به فآمنوا بكونه من (رُسُلِهِ وَ) لكن (لا تَقُولُوا) الاقانيم أي الجواهر (ثَلاثَةٌ) أقنوم الأب وهو الذات وأقنوم الكلمة وهو العلم وأقنوم الحياة وهو الروح القدس ولو قلتم بها (انْتَهُوا) عن القول بحلول بعضها في عيسى أو اتحاده به واقصدوا (خَيْرًا لَكُمْ) وهو أنه اله متصف بالكمالات ظهر ظهور الصورة بالمرآة في عيسى ولا تقولوا بالحلول المخل بالالهية لجعله الاله تابعا للغير وهو ينافى وجوب الوجود ولا بالاتحاد لأنه إذا اتحد بالمخلوق لا تبقى الالهية ويتكثر بتكثير المتحد به (إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ) ولا بالابنية المستلزمة للتشبه بالحيوانات (سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) ولو فرض لم يكن من جملة ما في السموات وما في الأرض إذ (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) ملكا ولا يتصوّر كون الولد ملكا للوالد ثم هو مشعر بالحاجة (وَ) لا حاجة للّه إذ (كَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) في القيام بجميع الشؤن ولو قالوا نحن لا تغلو في ديننا ولكنكم تنقصون حق عيسى إذ تجعلونه عبد اللّه مع انه كان يفعل أفعال اللّه من الاحياء والابراء أجيبوا بان هذا لو كان نقصا لكان عيسى مستنكفا منه لكن
(لَنْ يَسْتَنْكِفَ) أي لن يأنف ولن يتعظم (الْمَسِيحُ) من (أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا) من هو أقوى منه في فعل الخوارق وهم (الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) من أن يكونوا مع غاية علوّ رتبتهم عبيد اله كيف (وَ) قد علموا انه (مَنْ يَسْتَنْكِفْ) من ملك أو جنّ أو انس (عَنْ عِبادَتِهِ) أي امتثال أوامره ونواهيه (وَيَسْتَكْبِرْ) عن عبوديته (فَسَيَحْشُرُهُمْ) أي المستنكفين وغيرهم (إِلَيْهِ جَمِيعًا) ليرى كل ما يفعل به وبمخالفه من الاعزار والاذلال فيزداد المعز سرورا بعزته وذلة مخالفه ويزداد المذل حزنا بذلته وعزة مخالفه
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا) فلم يستكبروا عن عبوديته (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) فلم يستنكفوا عن عبادته (فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) على ما تحملوا الذلة فيه لينقلب عزة (وَيَزِيدُهُمْ) على أجورهم شيأ عظيما (مِنْ فَضْلِهِ) المضاف إلى عظمته