فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 278
اللطف والقهر بإعطاء القوم نصرا ومالا وسلبهما من آخرين (الرَّحْمنِ) بجعل الانفال له تعميما لرحمته بتهيئة المباشرين للحرب وغيرهم (الرَّحِيمِ) بامرهم بالتقوى واصلاح ذات البين فيها روى انه عليه السّلام قال يوم بدر من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا فتسارع إليه الشبان فقتلوا سبعين وأسروا سبعين وبقى الشيوخ تحت الرايات فلما فتح عليهم قام الشبان يطلبون نقلهم وكان المال قليلا فقال الشيوخ كنا لكم رد أو فئة تتحيزون إليها فلا تستأثروا به علينا فاعرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الفريقين فنزلت
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ) فقسمها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بينهم بالسوية لما رأى وعده مبطلا لحق الغانمين لذى جعله اللّه لهم وقال الشافعى لا يلزم الامام الوفاء بما وعدوا لنقل مال يشترطه الامام أو نائبه لمن يتعاطى فعلا مخطرا كتقدمه طليعة أو تهجمه على قلعة أو دلالة على طريق بلد والمعنى ان أصحابك الذين حقهم طلب الاجر الأخروى بالجهاد يتنازعون في هذا المال حتى تحاكموا اليك يسئلونك من يستحقه (قُلِ الْأَنْفالُ) ليست في مقابلة الجهاد وانما مقابله الاجر الأخروى وهذه زائدة عليه خرجت عن ملك المشركين فصارت ملكا خالصا (لِلَّهِ وَ) رسوله خليفة فهي في يدى (الرَّسُولِ) يعطيها باذنه من يشاء (فَاتَّقُوا اللَّهَ) ان تتصرفوا في ملكه بغير إذنه (وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) أي حالة الوصلة الإيمانية بينكم فلا تقطعوها بما ليس لكم (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) لو كانت لكم (إِنْ كُنْتُمْ) للّه (مُؤْمِنِينَ) أي جارين على مقتضى الإيمان من التقوى والاصلاح والاطاعة ثم أشار إلى ان الجريان على مقتضى الإيمان لا يحصل بدون التقوى التي هي مرجع الباقين فقال
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) أي الجارون على مقتضى الإيمان هم (الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ) أي حقه (وَجِلَتْ) أي خافت من هتكه (قُلُوبُهُمْ) فيتبعها سائر أعضائهم (وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ) الدالة على ما عنده لمن خاف هتك حرمته (زادَتْهُمْ إِيمانًا) أي طمأنينة بما عنده فلا يؤثرون عليه شيأ (وَ) كيف يؤثرون عليه شيأ ولا يتوكلون عليه بل (عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) والمتوكلون عليه هم
(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) بلا وسوسة وهي أعظم أسباب التقرب إلى اللّه تعالى (وَ) لدفع الوسوسة الناشئة من حب المال (مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) في سبيلنا ايثار الحبنا عليه
(أُولئِكَ) المؤثرون حب اللّه على حب ما سواه (هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) أي البالغون أعلى مراتبه (لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) بدل درجات الأموال عند الخلق على ان الأموال من أسباب المعاصى (وَ) هؤلاء لخروجهم عن حبه لهم (مَغْفِرَةٌ وَ) لا يفوتهم الرزق المطلوب من الأموال بل لهم (رِزْقٌ كَرِيمٌ) يخدمهم به الملوك ومن دونهم لتقربهم إلى اللّه بالصلاة والقلع من محبة المال ثم أشار إلى ان حصول تلك الدرجات والمغفرة والرزق الكريم لهم مع كراهة فريق منهم فوات النفل كحصولها للخارجين من المدينة إلى بدر مع كراهة فريق منهم القتال وفوات العير فقال
(كَما أَخْرَجَكَ) أي للمؤمنين حقا ما ذكر كما هو لك ولاصحابك حين أخرجك (رَبُّكَ) الذي رباك بالنبوّة ليربيك بالنصر على وجه الإعجاز (مِنْ بَيْتِكَ) أي من المدينة التي لا قتال