فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 288
منهم (وَأَدْبارَهُمْ وَ) يقولون لهم ضما للعذاب العقلى إلى الحسى (ذُوقُوا) من ضربنا اياكم (عَذابَ الْحَرِيقِ) أي النار الملتهبة في جراحاتكم وليس ذلك منا ابتداء بل
(ذلِكَ) الضرب الشديد (بِما قَدَّمَتْ) إلى اللّه تعالى (أَيْدِيكُمْ) من الكفر والمعاصى الموجبة لغضب اللّه (وَ) هو وان اشتد غضبه لا يظلمكم (أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) وإن بالغ هذه المبالغة في تشديد العذاب ولا يبعد هذا الضرب من الملائكة قبل القيامة فإن غايته أنه تعذيب دنيوى فهو
(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَ) دأب الكفرة (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ممن سار مسير هؤلاء في أنهم (كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ) فلم يبالوا بمعاصيه (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ) قبل يوم القيامة (بِذُنُوبِهِمْ) وإن أخر التعذيب بها في حق البعض لأنهم اجترؤا على معاصيه بما رأوا لانفسهم من القوّة فضعفهم اظهار القوّته (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ) على أن تأخير العذاب انما يكون للرحمة لكنه لما اشتد عنادهم اشتد غضبه لأنه (شَدِيدُ الْعِقابِ) لمن اشتد عناده معه فلا يكون في حقه رحمة
(ذلِكَ) التعذيب الذي علم كونه مؤاخذة بالذنوب (بِأَنَّ اللَّهَ) جرت سنته على أنه (لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً) وإن كان مغير اللشدة كثيرا بغير تغيير أهلها ما هم عليه (أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ) وإن كان يغير ما أنعم على واحد أو اثنين من غير تغييره لما هو عليه (حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) من موجبات تلك النعم من اعتقاد أو قول أو عمل (وَ) يغير إذا غيروه غضبا عليهم بما يسمع منهم أو يعلم (أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وقد جرت به سنته
(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) كان مبدأ تغييرهم أنهم (كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ) أي الذي رباهم بالنعم فصرفوها إلى غير ما خلقت له بمقتضى تلك الآيات فكانت ذنوبا (فَأَهْلَكْناهُمْ) زيادة على سلبه النعم (بِذُنُوبِهِمْ) بما صرفوا بها النعم إلى غير ما خلقت له (وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ) لاغراقهم النعم في بحر الإنكار بنسبتها إلى فرعون حيث أقروا بالهيته (وَ) غيرهم وان لم يغرقوا في الدنيا في بحر يغرقون في الآخرة في بحر النار إذ (كُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ) بصرف النعم إلى غير ما خلقت له وهو نوع من الاغراق لها في بحر الإنكار لأنه مرجع التغيير لها ثم أشار إلى أنه عز وجل كيف يترك نعمه على من غير أحواله التي كانت أسباب النعم وقد كان بها إنسانيته فبتغييرها لحق بالدواب وبإنكار المنعم صار شرا منها فقال
(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ) وإن كانوا عند الناس أعقل الناس (الَّذِينَ كَفَرُوا) والنعم تسلب ممن لا يعرف قدرها فكيف لا تسلب ممن ينكر المنعم وهو وان أدام عليهم النعم (فَهُمْ) يديمون إنكار المنعم إذ (لا يُؤْمِنُونَ) ويدل على عدم إيمانهم باللّه نقضهم عهوده لكونهم
(الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ) وعهدك بمنزلة عهد اللّه (ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ) لامرة واحدة أو مرتين حتى يقال بعودهم إلى الإيمان بل (فِي كُلِّ مَرَّةٍ) كيف والمؤمن لا بد وان يتقى اللّه في نقض عهوده في بعض المرات (وَهُمْ) بتكرار النقص عاصون فعلم أنهم (لا يَتَّقُونَ) أصلا فهم في معنى الآمنين من مكر اللّه وهم الكافرون وإذا اعتادوا نقض العهد في كل مرة
(فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ) أي فإن تحقق مصادفتك ناقضى العهد (فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ) أي فافعل بهم ما يفرق اجتماعهم على النقض على خفية بحيث يشبه فعل من يفعل