تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 323
لِقاءَنَا) فلا يبالون لعظمتنا فضلا عن عظمة الآيات ولا لوضوح دلالتها (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا) الدال على ما يكون عند اللقاء (أَوْ بَدِّلْهُ) فاجعل ثوابه عقابا وعقابه ثوابا (قُلْ) ان كان للّه تبديله لكمال قدرته (ما يَكُونُ لِي) لإعجازه (أَنْ أُبَدِّلَهُ) فإن كان فلا يكون (مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي) بل من اللّه بطريق النسخ وليس النسخ منى بل (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ) ولو أمكننى تبديله من غير وحى في نسخه منعنى منه الخوف (إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) أيّ معصية فضلا عن تبديل وحيه وكتابه (عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وإن لم تعظم المعصية وهنا قد عظمت فإن زعموا ان تبديلك مسقط للعذاب عنهم ومن أسقط عن شخص عذابا أسقط اللّه عنه
(قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ) أن لا يعذبكم على معاصيكم (ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ) الزاما للحجة عليكم (وَلا أَدْراكُمْ بِهِ) أي ولا أعلمكم اللّه بلسانى بانكم معذبون على معاصيه من غير ان اتلوه عليكم تقصيرا للحجة إذ ليس ذلك مقتضى طبيعتى (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ) مدة مديدة تشبه أن تكون (عُمُرًا) كاملا مقدار أربعين سنة (مِنْ قَبْلِهِ) والانتهاء إلى الكمال البالغ حد الإعجاز لو كان من عند نفسى لكان بطريق التدريج (أَ) تقولون بلغته من غير تدريج (فَلا تَعْقِلُونَ) ثم ان أعطانى اللّه هذا من غير تدريج وافتريت عليه
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) أدنى فضلا عن الكذب الذي كانه كل الكذب مع أن الكذب والظلم لا يتصوّر ممن يؤتى المعجزات في السنة الالهية ولا ينحصر الظلم فيّ بكل حال بل اما أنا (أَوْ) من (كَذَّبَ بِآياتِهِ) ولو لاحتجابه عنها بترك النظر فيها ثم ان طلبت بذلك الرياسة عليكم أو طلبتم بقاء عرض آبائكم لا انال مقصودى ولا تنالون مقاصدكم (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) بأدنى المعاصى فكيف بالافراط في الظلم
(وَ) من افراط ظلمهم ارادتهم تبديل كتاب اللّه ليسوغ لهم عبادة غيره التي فيها تذليل أنفسهم بلا شيء إذ (يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) مع ان الدون ليس له رتبة المعبودية سيما (ما لا يَضُرُّهُمْ) لو تركوا عبادته (وَلا يَنْفَعُهُمْ) لو عبدوه (وَيَقُولُونَ) إذا قيل لهم لا تنفعكم عبادتهم ولا يضركم تركها ولا ينفعكم تبديل كلام اللّه إذا عذبكم على عبادته (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ) على كل شيء حتى في تعذيبه على عبادتها أو تبديل كلامه (قُلْ) ما أعلمكم اللّه على لسان رسول أنهم شفعاؤكم عنده إذ لا تؤمنون بهم (أَتُنَبِّئُونَ) أي تخبرون (اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ) من شفاعتها وما لا يعلم لا يوجد (فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) على أن الشفيع لا يكون عدوّ المشفوع عنده والشريك عدوّ وهو إذا لم يتحقق شركه أنتم تصيرون أعداءه بإثبات شركه (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) والشفيع لا يشفع في حق العدوّ الذي يثبت للملك ما ينزه عنه وكيف لا يتنزه عن الشريك وقد تعالى عن رتبة الشركاء
(وَ) لو قالوا انما نريد تبديل هذا الكتاب لأنه بدل دين آبائهم يقال لهم إذا بدل آباؤكم دين اللّه يجب تبديله وقد بدله آباؤكم إذ (ما كانَ النَّاسُ) في عهد آدم عليه السّلام (إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً) إذ يبعد أن يكون له هذه الاديان المتناقضة (فَاخْتَلَفُوا) فلا بد أن يكون أحد المتخالفين مبدلا لذلك الدين الواحد وإذا التبس من عليه بمن خالفه لا بد من التمييز بينهما واعلاه قضاء الفصل بمقتضى كل واحد منهما (وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ)