تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 338
(أُحْكِمَتْ آياتُهُ) بجعلها يقينية بموادها وصورها أو بإعجازها الرافع شأنها أو تقوية أصولها بالحجج القاطعة ورفع الشبه تربية لها أو بمنع نسخها لكونها لباب الرحمة (ثُمَّ فُصِّلَتْ) بجعل نتائجها مقدمات لأخر أو ببيان مراتب القرب من رفيع الدرجات أو بتكثير الفروع تربية للاصول وراء تقويتها أو ابراز ما أبهم في الكتب السالفة لمزيد الرحمة بهذه الامة (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ) لا يستعمل الا اليقينيات ويأتى بما يعجز الكل ويبنى الفروع على أقوى الاصول ويبلغ إلى الخير المطلق (خَبِيرٍ) لا يلتبس عليه الوهميات باليقينيات مطلع على أسرار الإعجاز والقرب والبناء والخيرية المطلقة
(أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) يشير إلى أمثلة الاحكام باليقينيات مثل اللّه يثيب من يخصه بالعبادة ويعاقب من لا يخصه بها ومن كان كذلك يجب تخصيصه بها والمعجز مثل أن يذكر المطلوب بجميع فوائد تحصيله ومضار تعطيله بعبارة موجزة يشير إلى مراتبها مع أنواع التأكيد واللطائف الأمر بتخصيصه بالعبادة مع التبشير على الموافقة والانذار على المخالفة واللب أن لا ينسخ
(وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) يشير إلى أمثلة التفصيل فجعل نتائجها مقدمات مثل أن يقال من يجب تخصيصه بالعبادة يستغفر من معاصيه ويرجع إليه بالطاعة ثم انهما يرفعان درجات القرب فمما يستغفر منه وجود النفس فيفنى عنه ويرجع إلى البقاء بربه ثم بناء الفروع على الاصول انما يتم بالاستغفار عن السهو والرجوع إلى الحق ثم الرجل انما يبلغ اللب بالاستغفار عن القصور والرجوع إلى الكمال (يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) يشير إلى افادة العبادة والاستغفار والتوبة ما أشير إليه من أجل لوامع الرشد وغيره فهي تفيد التصفية المفيدة لذة اليقين وتفيد القرب من رفيع الدرجات بالأحوال والمقامات والتربية بالعلوم والكرامات واللب بالتنوّر بنور اللّه فهذا في الدنيا بطريق التمتع وفى الآخرة يزداد كل واحد منها لكل من حصل فضلا من تلك الفضائل في الدنيا (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) أي وان تعرضوا عن تخصيصه بالعبادة وعن الاستغفار والتوبة التي هي مقتضى الدلائل اليقينية والمقربة من رفيع الدرجات والمقيمة حق الربوبية والمستفيضة لباب الرحمة فانى أخاف عليكم عذاب يوم يكبر فيه الاعراض عن اليقينيات والبعد عن رفيع الدرجات وقهر من ربى بانواع النعم فتولى عنه وفوات عظيم الرحمة ولا يبعد هذه الفضائل للأوّلين والعذاب للآخرين إذ
(إِلَى اللَّهِ) الظاهر فيه كبرياؤه بغاية لطفه على قوم وقهره على آخرين (مَرْجِعُكُمْ) جميعا (وَ) لا مانع له من غاية اللطف والقهر إذ (هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ولذلك لا يبعد عليه تقرب من رجع إلى أحب الأشياء وجعل الشهوات بعينها عذابا وايقاع الحجاب على من رجع إلى نور الانوار وكيف لا يعذبهم وقد بالغوا في الاعراض عن دلائله اليقينية وعن حضرته الرفيعة وعن شكر تربيته وموجبات رحمته
(أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ) أي يحرفون (صُدُورَهُمْ) لا لاخفاء ما ذكر على أنفسهم لعلمهم أنه لا يخفى عليهم بل (لِيَسْتَخْفُوا) أي ليطلبوا اخفاء