تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 341
وزينتها التي تحصل بدونها (لَيْسَ) لهم الخلاص في الآخرة رأسا برأس بل ليس (لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ) باتفاق الانبياء والحكماء (إِلَّا النَّارُ) المحسوسة أو المعقولة فلا يقربه من له العقل الكامل الذي يشبه البلوغ إلى حد الإعجاز (وَ) لا يحصل لهذه الأعمال هيئة من تلك الأعمال ملذة تعارض لذتها تلك الآلام لأنه (حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها) فلم يكن له هيئة أصلا (وَ) لو أفادهم هيئة لم تكن لهم ملذة لأنه (باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) والباطل لا يكون ملذا بل مؤلما
(أَ) تجعلون طالبا لراحة الدنيا وزينتها بأعمال الآخرة مع كونه على بينة (فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) ترونه طالبا لما يوجب الحجاب عنه (وَ) ليست بينة معارضة بما ينافيها بل (يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) وهو العقل يصدق دلائل القرآن ويرفع عنه الشبه (وَ) لم يقتصر فيه على الشاهد العقلى بل أيده الشاهد النقلى إذ (مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى) صدقه قبل مجيئه وكفى به شاهدا لكونه (إِمامًا) للانبياء (وَرَحْمَةً) للمؤمنين ويدل على تصديقه اياه ان (أُولئِكَ) الماهرين فيه (يُؤْمِنُونَ بِهِ) أي بهذا الكتاب مع ادعاء تصديق التوراة اياه (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ) أي من طوائف أهل الكتاب لا يقدرون على إنكار تصديقه اياه مع ابقائه بحاله بل يحرفون لفظا أو معنى (فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) لكفره بالكتابين فإن لم يبالوا بهذا الوعيد (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ) أي شك (مِنْهُ إِنَّهُ) الوعيد (الْحَقُّ) لكونه (مِنْ رَبِّكَ) الذي لا يكذب (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) فيحملونه على مجرد التخويف من غير دليل
(وَ) كيف يعطى اللّه البينة للمفترين عليه فيكون ظالما باعانة الظالمين فانه (مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) كيف واعطاؤه البينة اعزاز وهم يستحقون الاذلال فإن لم يعطوها اليوم فلا بد ان يعطوها يوم القيامة (أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ) عرض العبيد المفترين على ملوكهم (وَ) لا يمكنهم الإنكار امكانه للعبيد إذ (يَقُولُ الْأَشْهادُ) من الملائكة والجوارح (هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ) فمتى يستحق هؤلاء البينة من ربهم مع كونهم من أهل اللعنة (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) سيما من ظلم بالكذب على ربهم ولم يقتصروا به في حقه بل عموا حقوق الخلق إذ هم
(الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) زاعمين انهم يسلكونها بهم (وَ) لا يتركونها بحالها بل (يَبْغُونَها عِوَجًا وَ) مع ذلك لا يريدون مقصدها إذ (هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) وإن كانوا يدعون الإيمان بها ويدعون الناس إليها بمفتراهم
(أُولئِكَ) المفترون لو أعطوا معجزات لكانوا معجزين للّه عن تصديق الصادقين في دعوى النبوّة لكنهم (لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ) وإن كانوا (فِي الْأَرْضِ) التي يكثر فيها التلبيسات على ان هذه المعجزات المصدقة للمفترين لا تكون من اللّه بل من الشيطان (وَ) لكنها لما التبست بمعجزات اللّه التي يصدق بها الصادقين أوجبت الحكمة الالهية رفعها كأنهم (ما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ) وليس عدم رفع اللّه اياها لكونها سبب الهداية التي قصدوها بمفتراهم لأن الافتراء وان كان سبب الهداية فهي موجبة للغضب بحيث (يُضاعَفُ لَهُمُ)