تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 419
لهم إلى مزيد الخبث
(وَ) أعظم مواقع الوسواس فيه مواقع النسخ فانا (إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ) مع ظهور الكمال فيها بالبلوغ إلى حد الإعجاز (وَ) ليس ذلك بطريق البداء بل (اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ) ماذا يتضمن من المصالح بحسب الأزمنة المختلفة (قالُوا) لا دخل للتبديل في كلام اللّه لأنه إبطال ولا يتصوّر في كلامه الازلى الإبطال وهذا دال عليه فيكون مثله فتعين انه (إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ) فقال تعالى هذا ليس بإبطال (بَلْ) بيان لانتهاء حكمه السابق وابتداء حكم اللاحق ولكن (أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) هذه الحقيقة فيضلهم الأقلون المطلعون عليها لعنادهم
(قُلْ) انما يكون افتراء لو كان فيه انتقال من خير إلى شر أو من شر إلى شر لكنه انما هو انتقال من خير إلى مثله فعلم انه (نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ) الطاهر عن الشرور لأنها نقائص وهو في غاية الكمال فلا يتصوّر منه الافتراء فانما نزله (مِنْ رَبِّكَ) لتربية أهل كل عصر بما يصلحهم لتلبسه (بِالْحَقِّ) أي بالاسم الالهى الذي له سلطنة ذلك العصر (لِيُثَبِّتَ) على ما هو كمال ذلك العصر بمقتضى ذلك الاسم (الَّذِينَ آمَنُوا) بان للّه ظهورا في كل عصر بكمال مختص به لتجليه باسم خاص فيه (وَهُدىً) إلى معرفة كمالات الأزمنة (وَبُشْرى) بحصول تلك الكمالات (لِلْمُسْلِمِينَ) أي المنقادين لما ينزله روح القدس حتى يبلغوا درجة المؤمنين في الثبات عليه
(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ) لا يسلمون انه نزل به روح القدس بل (يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ) أي القرآن (بَشَرٌ) جبير غلام رومى لعامر بن الحضرمى أو يسار وكانا يصنعان السيف بمكة ويقرآن التوراة والانجيل وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يمرّ عليهما ويسمع ما يقرآنه أو عاتش غلام حويطب بن عبد العزى قد أسلم وكان صاحب كتب أو سلمان الفارسى فقال عز وجل في الرد عليهم (لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ) أي يميلون عن الاستقامة بنسبة القرآن (إِلَيْهِ) لسان (أَعْجَمِيٌّ) ربما لا يفهمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإن فهم لم يكن معنى معجزا فإن كان لم يتلقف لفظا معجزا فإن تلقف لم يكن عربيا (وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ) معجز لأنه (مُبِينٌ) لما لا يتناهى من العلوم بعبارة ليست من جنس إشعارهم ولا نثورهم لكن انما يفهم منه هذه العلوم من يهدى اللّه بها
(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ) لفهم هذه العلوم الغير المتناهية كيف (وَ) ربما يعجزون عن تطبيقه على وجه مستحسن الا بكلفة (لَهُمْ) فيها (عَذابٌ أَلِيمٌ) لا يحصل لهم منه ذوق صحيح وكيف يكون معجزا مع كونه مفترى والإعجاز كرامة لا يستحقها الا مؤمن والفرية تنافى الإيمان
(إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ) في الآفاق الدالة على رعاية الحكمة في خلق الأشياء المقتضية تعذيب المفترى على اللّه (وَ) من زعم ان المفترى ينال فضيلة الإعجاز (أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ) لأن الإعجاز تصديق واللّه تعالى لا يصدق الكاذب لأنه كذب يجب تنزيه اللّه عنه لأنه نقص في صفته التي هي كلامه وكيف يعطى اللّه فضيلة الإعجاز من كفر باللّه بالافتراء عليه بآيات للّه تتضمن الإيمان به فيكون كفره بعد الإيمان وكيف يطلع مثله على اسرار الإعجاز التي هي أعز الالطاف الالهية مع كونه محل غضبه الموجب عظم العذاب فان