فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 44

تلبيس أنفسكم ثم أشار إلى انه أنجاهم من جريمة اتخاذهم العجل وقد أخذ بما دونه آل فرعون فقال

(وَ) إذكروا (إِذْ واعَدْنا مُوسى) بعد هلاك فرعون إنزال كتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون بعد ثلاثين ليلة يقومها ويصوم نهارها فلما تمت أنكر رائحة فمه فتسوك فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك أبطلتها بالسواك فأتمها بصوم عشر أخرفتم (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) فجاء جبريل على فرس الحياة لا يصيب شيأ الا حىّ ليذهب بموسى إلى ربه فلما رآه السامرى وكان منافقا من قوم يعبدون البقر قال ان له شأنا فأخذ قبضة من تربة حافره وكان بنو اسرائيل استعاروا من قوم فرعون حليا كثيرا حين أرادوا الخروج من مصر لعلة عرس لهم فقال لهم السامرى ان الحلى المستعارة لا تحل لكم فادفنوها بحفرة حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه فلما اجتمعت صاغها السامرى عجلا في ثلاثة أيام ثم ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب حافر فرس جبريل فأخرج عجلا من ذهب مرصعا بالجواهر كاحسن ما يكون وخار خورة فقال السامرى هذا الهكم واله موسى تركه ههنا وخرج يطلبه ولذلك تأخر فشككتم في أمره (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ) إلها (مِنْ بَعْدِهِ) أي من بعد خروج موسى الزاجر عن عبادة فرعون والاوثان (وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) مثل ظلم آل فرعون بل أشد لأنه بعد الإيمان

(ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ) أي تجاوزنا عن مؤاخذتكم (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) الاتخاذ بعد الإيمان (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) عفونا بتحمل المشاق في عبادتنا وقد خففنا أكثرها في هذه الشريعة فما لكم تعرضون عنها

(وَ) إذكروا (إِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) الجامع لقواعد الشرع ليقوم به الشاكرون (وَالْفُرْقانَ) أي الفرق بين المحق والمبطل (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) لما هو شكر المحق والمبطل

(وَ) من تلك الهداية التوبة فهذه التوبة من شكر المحق لأنه عرف قدر نعمتها حتى آثرها على الحياة الدنيا بقتل الانفس حدا على اتخاذ العجل فاذكروا (إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ) من افراط شفقته عليهم (يا قَوْمِ) انّ من شفقتى عليكم أن أخلصكم من عقوبة ظلمكم (إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ) الذي هو أبعد من فرعون عن الالهية (فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ) الذي خلقكم برآء من الشرك والمعاصى ويرجى تبرئتكم عن هذا الظلم الذي لا ينمحى هيئته عن قلوبكم لافراط حبكم اياه (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) لأنه وان كان شرا عند أنفسكم لكن (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ) إذ يبرئكم عن جريمته التي تخلدكم في النار ففعلتم (فَتابَ عَلَيْكُمْ) أي قبل توبتكم وان كانت جريمتكم أعظم لكفركم بعد الإيمان (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ) أي البالغ في قبول التوبة حتى انه قبلها على عمل أهلك بما دونه آل فرعون وانما تاب عليكم لأنه (الرَّحِيمُ) إذ رحم على تعذيب ساعة بكرامة الابد وهذه من الهداية الفارقة بين المحق والمبطل قد أخذ بها قدماؤكم وأنتم لا تسمحون بمجرد القول ولا بالأعمال السمحة من هذه الشريعة مع وفور فضائلها ثم أشار إلى انهم لم يؤمنوا بهدى موسى وفرقانه بعد سماعه من اللّه بلا واسطة لشبهة واهية من احتمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت