تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 447
لا يحتاج إلى الشكر ولا إلى غيره (قالَ ما أَظُنُّ) أي ما أعتقد اعتقادا راجحا فضلا عن الجازم (أَنْ تَبِيدَ) أي تهلك (هذِهِ) الجنة (أَبَدًا) إذ لا تخلو عن عامر من أولادى ما دامت الدنيا (وَ) لا أرى لها انقطاعا لانى
(ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً) فكفر بالقول بقدم العالم ونفى حشر الاجساد (وَ) اعتقد عكس الجزاء إذ قال (لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا) أي موضع تقلب لأن ما وجدته من الدنيا كان لسرفى وهو باق والقول بقدم العالم ينفى اختيار الصانع وارادته وبإنكار حشر الاجساد ينفى قدرته على الاعادة وبعكس الجزاء ينفى الحكمة الالهية
(قالَ لَهُ صاحِبُهُ) الذي عيره بفقره تعييرا له على كفره (وَهُوَ يُحاوِرُهُ) أي يراجعه كلام التعيير على الكفر محاورته كلام التعيير على الفقر في ضمن النكر عليه (أَكَفَرْتَ) بهذه الاقوال سيما بنفى القدرة على الاعادة (بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ) فأنكرت عليه قدرته على اعادتك من التراب (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) بجعل التراب نباتا ثم جعله غذاء يتولد منه النطفة فأنكرت عليه قدرته على إنزال المطر الغليظ قبل البعث (ثُمَّ سَوَّاكَ) بتعديل مزاجك المقتضى فيضان الروح عليك لتصير (رَجُلًا) فأنكرت عليه تسوية مزاج أهل القبور وافاضة الأرواح عليهم وقد كفرت ايضا بإنكار دوام ربوبيته بعد الموت
(لكِنَّا) أي لكن انا لا أنكر دوام ربوبيته إذ (هُوَ) الذي خلقنى من تراب ثم من نطفة ثم سوّانى رجلا (اللَّهُ) الجامع للكمالات التي لا تنقطع فهو (رَبِّي) الذي لا تنقطع ربوبيته عن المعدوم وقد أشركت بالقول بقدم العالم (وَ) أنا (لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) أشركت بالقول بأن لا تبيد جنتك مادام لها عامر فجعلت عمارة العامر معارضة لمشيئة اللّه دافعة لتأثيرها فلو لم تقصد المعارضة
(وَلَوْ لا) أي هلا (إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ) لا تبيد (ما شاءَ اللَّهُ) أي ما دامت مشيئه بأن لا تبيد إذ لا معارض لمشيئته بل (لا قُوَّةَ إِلَّا) قائمة (بِاللَّهِ) وتعييرك اياى بالفقر لا يبعد أن ينعكس فيه الأمر (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا* وَوَلَدًا فَعَسى رَبِّي) لإيمانى به ورضاى بفعله (أَنْ يُؤْتِيَنِ) في الدنيا أيضا (خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها) أي على جنتك لكفرك به وازدرائك بخواص عباده (حُسْبانًا) أي صواعق (مِنَ السَّماءِ) تحرقها (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا) أي ترابا (زُلَفًا) أملس لا تثبت فيها قدم فلا تمسك ماء ليكون فيه نبات
(أَوْ) يهلكها من جهة الأرض بمنع السقى بأن (يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا) أي سافلا إلى حيث لا يمكن حفره (فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا) بالحفر أو بغيره فأعطى المؤمن خيرا من جنته
(وَ) أرسل على جنة الكافر حسبانا من السماء بحيث (أُحِيطَ بِثَمَرِهِ) بالإهلاك فلم يبق له منها ثمرة فينتفع به في الحال فعير نفسه أكثر من تعييره أخاه وتعيير أخيه اياه (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ) ظهر البطن تحسرا (عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَ) لم يرج منها ثمرا في المآل إذ (هِيَ خاوِيَةٌ) أي ساقطة (عَلى عُرُوشِها) الساقطة على الأرض بحيث قاربت أن تصير صعيدا زلقا (وَ) لا يقتصر على هذا التحسر بعد الموت الذي وقع له عقيبه عن قريب بل يزداد تحسرا بعده لا عليها بل (يَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) يتحسر أيضا على تكبره بالحشم إذ
(وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) أي جماعة (يَنْصُرُونَهُ) بالانقاذ من اللّه لكونهم (مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا) بنفسه