تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 15
بظاهره لأهله ويطلب الحق بباطنه لنفسه (فَقالَ لِأَهْلِهِ) المحتاج إليها للاصطلاء في ليلة شاتية أو للاهتداء في ليلة مظلمة (امْكُثُوا) أي اصبروا حتى ارجع اليكم بما رأيت (إِنِّي آنَسْتُ) أي رأيت (نارًا لَعَلِّي) بعد ذهابى إليها ورجوعى منها (آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ) تصطلون به (أَوْ أَجِدُ) من اطلاعى (عَلَى النَّارِ هُدىً فَلَمَّا أَتاها) وجدها تجلى الحق بصورة النار لا في مظهرها إذ لم تغير خضرة الشجرة مع احاطتها بها وكانت نارا بيضاء وهو وان تجرد عن الصور فله أن يظهر بما شاء منها ظهور جبريل بصورة دحية وهي وان كانت مطلوب الظاهر اعتبر فيها الباطن لذلك (نُودِيَ) ليقبل بالكلية (يا مُوسى) سمى لئلا يتوهم ان المنادى غيره
(إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) تجليت باسمى الخاص في هذه الصورة لكن لما لم يكن بمظهر وجب فيه رعاية أدب القيام عند الملوك (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) كيف وقد وجب تنزيه مكان ظهوره لا بمظهره كما يجب تنزيه مكان الملوك عن القاذورات التي هي من لوازم النعال (إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً) أي الذي طوى فيه الالتفات إلى ما سواه فيجب فيه رعاية الادب من كل وجه ولما حصلت له الولاية بهذا التجلى أعطاه النبوّة والرسالة بقوله
(وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) للرسالة من بين أهل الولاية (فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى) لتبليغ الرسالة حتى تؤديه من غير تغيير فيه وأشار إلى ترتيب الاداء فذكر أوّلا وجوده الجامع للكمالات بقوله
(إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ) ثم إلى توحيده بقوله (لا إِلهَ إِلَّا أَنَا) ثم إلى استحقاقه العبادة بقوله (فَاعْبُدْنِي وَ) جعلها جزئية لسبقها على الكلية ثم ذكرها بقوله (أَقِمِ الصَّلاةَ) الجامعة لمقتضيات الالهية الجامعة للكمالات لانك تقيمها (لِذِكْرِي) أي لتذكرنى فيها بقلبك ولسانك وسائر جوارحك بان تجعل حركاتها دالة على ما في القلب واللسان لا ذكرك بجوامع التجلى حتى يتجلى لك الأمور الأخروية كما ظهر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الجنة والنار في صلاة الكسوف وهي وان كانت معدومة فهي في حكم الموجودة
(إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) وهي وان كان حقها ان تتجلى على المكاشفين (أَكادُ أُخْفِيها) عنهم لئلا يبطل تكليفهم وتكليف اتباعهم (لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى) عن اختيار منها من عدم ظهورها لهم ولكن لما لم يكن بد من الجزاء لم يكن بد من اتيانها
(فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها) وإن كان مكاشفا فأدّاه عدم انكشافها له إلى إنكارها (وَ) لم يعلم ان المكاشف لا يكاشفه بالجميع وقد ظهرت له دلائل وجودها فلم يعتبرها اغترارا بكشفه لأنه (اتَّبَعَ هَواهُ) فترك النظر في الدلائل (فَتَرْدى) بمتابعة هواء نظرا إلى مكاشفته مع ترك متابعة الدليل ولما أعطاه النبوّة أراد أن يعطيه معجزة من جنس ما يتداوله السحرة ليعلم أنها فوق رتبتهم ولذلك سأله عن عصاه ليذكر مراتب فوائدها فيجعل لها مرتبة فوق تلك المراتب فقال
(وَما تِلْكَ) الخشبة التي شغلت أقوى جوانبك إذ أخذتها (بِيَمِينِكَ) مع جلالة قدرك (يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ) التي اتذكر بها المعاصى التي يستحق الضرب بها من أجلها (أَتَوَكَّؤُا) أي اعتمد اعتماد العاصى على قوّة تحمله للعذاب (عَلَيْها) ليظهر لى ضعف نفسى (وَأَهُشُّ) أي أسقط الورق (بِها عَلى غَنَمِي) هش العاصى أوراق شجرة غفلته على شهواته ليغتنم بها لكنى أفعل ذلك لاعلم انى لو تبعت شهواتى تركت نفسى حيوانية