فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 17
أُمِّكَ) مثل (ما يُوحى) إلى الانبياء بلسان الملك ان من خاف البر ركب البحر فعليك
(أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ) ليظهر باجرائها من غير مجر على ان من شانها ان لا تجرى أصل الارهاص لولدك والكرامة لك (فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ) أي البحر متوكلة على خالقه ان يأمره بالالقاء (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) والهرب وان كان من مكان العدوّ إلى غيره فهنا من الغير إليه فانه ان لم يلقه اليم بالساحل (يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي) بدعوى الالهية لنفسه ونفيها عنى (وَعَدُوٌّ لَهُ) لدعوته إلى (وَ) لا تبالى بعداوته إذ (أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) توجب محبة الكل فعلت ذلك ليحصل لك الامن الكلى (وَلِتُصْنَعَ) أي ولتربى بيدى العدوّ (عَلى عَيْنِي) أي نظرى بالحفظ حتى يتم تربيتك بحضانة أمك ورضاعها
(إِذْ تَمْشِي) على الساحل مع التابوت (أُخْتُكَ) مريم (فَتَقُولُ) لقوم العدو إذ اطلبوا لك حاضنة ومرضعة (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ) أي يضمن حضانته ورضاعته فقبلوا قولها فجاءت بأمك (فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ) مع كونك بيدى العدو (كَيْ تَقَرَّ) برؤيتك (عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ) بفراقك فهذه منن زائدة على النجاة من القتل (وَ) قد مننا عليك بالنجاة من القتل الذي لا يدفع بتلبيس حين (قَتَلْتَ نَفْسًا) من آل فرعون فاغتممت للقصاص وللعقوبة الأخروية (فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَ) لم يكن من هاتين الجهتين فقط بل من جهات كثيرة إذ (فَتَنَّاكَ فُتُونًا) كثيرة كحمل أمك اياك في سنة الذبح ومنع الرضاع من غير ثدى أمك وتناول الجمرة ومشى ثمانية مراحل جائعا عطشان (ف) كما أنجيناك من غمومها انجيناك من الجهل والأخلاق الرديئة إذ (فَلَبِثْتَ سِنِينَ) ثمانية وعشرين (فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) لتتعلم منهم وتتخلق بأخلاقهم (ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ) أي مقدار من العلوم والأخلاق اجل من أن يحصل بالتعلم والصحبة (يا مُوسى) كيف
(وَ) قد (اصْطَنَعْتُكَ) أي اخترتك (لِنَفْسِي) أي لاظهار اسرارى اليك لتصير كاملا مكملا
(اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ) الذي كمل بدعوتك (بِآياتِي) الدالة على كمال قربك منى وعظمتك عندى (وَ) تزداد كمالا بمواظبتك على ذكرى (لا تَنِيا) أي لا تضعفا عن الإقامة (فِي ذِكْرِي) لأنه يضعفكم عن اداء الرسالة وذكركم اياى يزيدكم قوّة
(اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ) من غير مبالاة لعظمته (إِنَّهُ) لا عظمة له بالحقيقة بل غايته أنه (طَغى) لكن لا تزيدا طغيانه بالاغلاظ
(فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) فانه يرجى تأثيره في الطغاة (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ) دلائل صدقكم (أَوْ يَخْشى) احتمال صدقكم
(قالا رَبَّنا) الذي ربانا بهذه الوجوه (إِنَّنا) مع هذه التقوية (نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ) أي يعجل قبل سماع كلامنا بالعقوبة (عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى) بالعناد في دفع حججنا ثم يأمر بقتلنا
(قالَ لا تَخافا) من افراطه وطغيانه (إِنَّنِي مَعَكُما) اقرب منه وأقوى (أَسْمَعُ) فأمنعه من ان يقول ما تكرهون (وَأَرى) فامنعه مما تخافونه
(فَأْتِياهُ) من غير مبالاة له في جعله مربوبا (فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ) ارسلنا اليك لترد من غصبتهم منه خواص عباده بنى اخصهم (فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ) ليكونوا مع سائر خواصه (وَ) لو لم ترسلهم (لا تُعَذِّبْهُمْ) باستعبادك اياهم ولا تكن غير مبال بامساكهم واستعبادهم بعد تبليغنا رسالته بظهور صدقنا (قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ) يعلم بالضرورة انها (مِنْ رَبِّكَ) اعطاها