فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 45
أهل العلم وأهل العمل يتعلم فيه بعضهم من بعض إذ (جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ) يذكرهم ما نسوا مما في فطرتهم أهل بلدهم وغيرهم لأنه (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ) أي المقيم (وَالْبادِ) والاجتماع فيه انما هو لاستفادة العلم والعمل أو افادتهما فالصد عنه أعظم وجوه الظلم الموجب أشد العذاب كيف (وَمَنْ يُرِدْ) وإن لم يعمل به (فِيهِ بِإِلْحادٍ) أي بميل لا خطأ بل (بِظُلْمٍ نُذِقْهُ) شيأ (مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) فكيف لا نذيقه الصاد عنه
(وَ) من الظلم العظيم فيه الشرك إذكر (إِذْ بَوَّأْنا) أي عينا (لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ) الذي بناه آدم فانطمس في عهد نوح فارسل اللّه ريحا كنست ما حوله شارطين (أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) فمن أشرك فقد خالف الشرط الذي وضع عليه البيت فكانه هدم البيت وأى ظلم أعظم من ذلك (وَ) كيف لا يشترط ذلك والشرك نجاسة معنوية وهي أشد من الحسية وقد أمره اللّه بتطهيره عنها إذ قال (طَهِّرْ بَيْتِيَ) لأنه لما أضيف إلىّ فلا بدّ وان يناسبنى (لِلطَّائِفِينَ) فانه لما اشترط الطهارة في أبدانهم ليناسبوا ربهم اشترطت في محل طوافهم (وَ) المصلين (الْقائِمِينَ) بين يدى اللّه تعالى في الصلاة فلا بد من مناسبتهم له (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) له بالتذلل ولا يتم الا بالتطهر عما سواه والطهارة الظاهرة معينة في ذلك كيف
(وَ) يجتمع فيه الطائفون والمصلون من أطراف العالم لذلك سوّى فيه بين العاكف والباد إذ قيل (أَذِّنْ) أي أعلم اعلاما عاما (فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) أي بوجوبه عليهم بعدت مسافتهم أو قربت (يَأْتُوكَ رِجالًا) أي مشاة ان قربت المسافة (وَ) ان بعدت يأتوك ركبانا (عَلى كُلِّ ضامِرٍ) أي مهزول لأنهن (يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) أي طريق بعيد فيستوى فيه العاكف والباد
(لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ) أي مواضع انتفاعهم بالعلوم والعبادة افادة واستفادة (وَ) من أعظم المنافع ان (يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ) أيام النحر (عَلى) ذبح (ما رَزَقَهُمْ) أي ملكهم (مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ) ليجعلوها هدايا أو ضحايا فيفدوا بها نفوسهم فإذا ذبحتموه للّه فانتم وغيركم فيه سواء ان كان تطوعا (فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ) الذي أصابته شدة (الْفَقِيرَ) ليعلم من ذلك ان من فنيت نفسه فاستنارت بنور ربها انتفع بها هو وسائر المحتاجين إلى الهداية
(ثُمَّ) أي بعد الذبح (لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) أي وسخهم من الاحرام بالحلق والقص والنتف والاستحداد وهكذا بعد فناء النفس تفنى أخلاقها الرديئة (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) أي وليتموا مواجب الحج وهكذا لا بد من تحصيل الأخلاق الحميدة (وَ) ذلك بالتطواف حول الجناب الالهى لذلك قيل (لْيَطَّوَّفُوا) طواف الركن (بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الذي أعتقه اللّه من تسليط الجبابرة ليعتقه من جبابرة الأخلاق الرديئة
(ذلِكَ) المذكور وان كان لكل محرم (وَ) لكن (مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ) أي ما حرمه اللّه في الاحرام او بالبلد الحرام (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) من أن يهتك حرمة منها فيعطى جزاءها فينال ثواب ذلك الجزاء والانتهاك وان كان خيرا عند نفسه فالتعظيم خير (عِنْدَ رَبِّهِ وَ) أشد وجوه الانتهاك تحريم ما أحل اللّه (أُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ) حال الاحرام وفى البلد الحرام (إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) تحريمها بدون الاحرام فيستمر مع الاحرام ولكن تحريم