فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 51
(إِحْسانًا) بحذف العامل أي احسنوا وهو نوع من المجاز المفيد للمبالغة (وَذِي الْقُرْبى) المشاركين لهما في القرابة (وَالْيَتامى) محل الشفقة للضعف (وَالْمَساكِينِ) محلها للفقر (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) اكتفى في الاجانب بالاحسان القولى لأنه لا يتيسر الفعلى في حق العامة قدم حق الآدمى على حقه سوى التوحيد لأنه أشد فالنقض فيه أصعب ثم قال (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) العبادة الشاملة للقلب واللسان والجوارح (وَآتُوا الزَّكاةَ) المحسنة للأخلاق (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) عن هذه المواثيق كلها (إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ) فكيف يكون العذاب على نقض جميعها أياما معدودة كيف (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) أي عادتكم الاعراض ولو قالوا أكثر هذه أمور هينة لا تقتضى طول مدة العذاب على نقضها أجيبوا بأنكم تخلفون بمواثيق لا يهون الأمر فيها بل يقرب من التوحيد
(وَ) ذلك (إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ) أي لا يريق بعضكم دم بعض فيه فيفضى إلى اراقة دم نفسه قصاصا لها أو إلى العذاب الأخروى الذي هو أشد منه بكثير (وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ) أي لا يخرج بعضكم بعضا من داره ولو باساءة جواره لأنه يفضى إلى إخراج المخرج من الجنة أوردهما بطريق الخبر كالتوحيد فيما تقدم ليعلم انهما قريبان منه (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ) أي اعترفتم بالتزام هذين الميثاقين (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) به الآن أيضا وان نقضتموهما
(ثُمَّ) بعد هذا الإقرار والشهادة (أَنْتُمْ هؤُلاءِ) أي المشار إليهم بالقرب لدناءة حالكم تنقضون الميثاقين الواردين بطريق الخبر فيشبه التكذيب إذ (تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ) ولا يختص ذلك بالقاتل والمخرج بل يعم المظاهر وأنتم (تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ) أي يعين بعضكم بعضا على القتل والإخراج (بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) أي بما هو معصية في نفسه وتعدّ على أخيه وذلك أن قريظة كانوا حلفاء الاوس والنضير حلفاء الخزرج فإذا اقتتلاعاون كل فريق حلفاءه في القتل والاجلاء وقد أخذ عليكم الميثاق أيضا بأن كل أسير وجدتموه من بنى اسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه فلم تنقضون هذا الميثاق (وَ) هو قوله (إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ) ولذلك لم يذكره في المواثيق المنقوضة أوّلا فقيل لهم كيف تقاتلونهم وتفدونهم قالوا نفديهم لانا أمرنا بذلك ونقاتلهم حياء أن تذل حلفاؤنا فقيل (وَهُوَ) أي الشأن (مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ) والقتل أولى والمعاونة على القتل قتل وعلى الإخراج إخراج (أَ) تعملون ببعض المواثيق وتنقضون البعض (فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) أي تفعلون فعله (فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ) سيما (مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ) هو ذل يستحيى منه (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) كقتل قريظة وسبيهم واجلاء بنى النضير ونفيهم لاستهانتهم بمواثيق اللّه دون مواثيق حلفائهم (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ) لا إلى عذاب هين مدة معلومة لكثرة ما نقضوا من مواثيق اللّه المؤكدة مع كونها معظمة في نفسها حتى انه لو ترك هذه المبالغة في شأنهم توهم فيه الغفلة (وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وكيف لا يردون في الآخرة إلى أشد العذاب ولم يتركوا لانفسهم منها شيأ إذ
(أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ) حيث