فهرس الكتاب

الصفحة 570 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 110

الدابة بين أهل ذلك العصر بقول اشنع من قول الدابة (أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ) تعلموا انها جديرة بالتصديق أو التكذيب إذ لم (تُحِيطُوا بِها) أي باسرارها التي بها صارت آيات (عِلْمًا أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بها من حملها على تأويلات فاسدة تبطل فضلها فضلا عن إعجازها

(وَ) لتعيين أحد الأمرين الشديدين عليهم (وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) وقوعا فوق وقوعه عند خروج الدابة (بِما ظَلَمُوا) بآيات اللّه باحد الأمرين فوق الظلم بترك التيقن بها (فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ) بانها لم تكن مفيدة لليقين وان زعموا ان تكذيب الآيات لو كان له هذا الاثر لظهر في الدنيا يقال

(أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ) مثالا لحجاب الدنيا (لِيَسْكُنُوا فِيهِ) فلا يظهر لهم أثر (وَالنَّهارَ) لكشفه في الآخرة لكونه (مُبْصِرًا) يظهر فيه آثارهم (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) بالآخرة منها ان الدنيا ليل يسكن فيه معانى الأعمال والآخرة نهار يبصر بها ومنها ان الدنيا لا يرى فيها آثار الشهوات العاجلة والآخرة مبصرة لها ومنها ان الدنيا لا تظهر فيها الأمور الالهية فتسكن النفس عن طلبها والآخرة مبصرة لها فتحركها لطلبها لكنها انما تظهر لمن اكتسب لها نورا يناسبها في الدنيا

(وَ) لو قيل الدنيا والآخرة لو كانت كالليل والنهار لكانتا متبدلتين دائما لكن انما يكون تبدلهما مرة واحدة يقال التشبيه ليس من جميع الوجوه فالتبدل انما يكون (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) لأنه إذا نفخ فيه هال الأمر (فَفَزِعَ) أي مات (مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) من العقلاء الذين خلق ما سواهم من اجلهم فلا يبقى عند موتهم في الدنيا (إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) قيل هم جبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل وقيل مع الحور والجنة والنار وخزنتهما وحملة العرش وهؤلاء لا يفتقرون إلى أمور الدنيا (وَ) هؤلاء وان لم يؤثر فيهم النفخ بالموت أثر فيهم بالاستصغار إذ (كُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ) أي صاغرين

(وَ) لا يختص أثر النفخة بالأجسام الضعيفة بل يؤثر في الصلبة أيضا حتى إنك (تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً) لا تتأثر بشيء (وَهِيَ) تصير بالنفخة رخوة حتى انها (تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ) ولا يبعد ذلك لأن صلابتها من اتقان اللّه اياها وقد اراد اتقان الجزاء باظهار جاه المؤمنين وخزى الكافرين للكل فكان (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ولا يبعد عليه اظهار اسرار الكل للكل (إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ) ثم أشار إلى كيفية اتقان الجزاء بقوله

(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ) جاه (خَيْرٌ مِنْها) أي من مقتضى حسناته (وَ) من جملته(هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ

وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ)يظهر من خزيهم انهم كانوا في استعدادهم مدبرين عن الحق (فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) لأنه منبع القوى المدركة والمحركة ويقال لهم (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ليؤثر في قلوبهم فيزداد ألمهم فإن زعموا ان السيئات المكبة في النار هي أعمالك شتم الآباء وتسفيه دينهم وقتل الناس وسبيهم ونهب أموالهم واستباحة نسائهم والتفريق بين الوالد وولده والمرء وزوجته يقال

(إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ) اللّه وأولى عبادته حفظ حرمته فلا تهتك بالشرك وكيف يجوز هتك حرمة من كان (رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها) ليشير إلى ان هتك حرمته اشد وكيف يكون ما ذكرتم سبب كب الوجوه في النار مع انه انما كان بامر اللّه ولا يبعد ان يكون له أمر (وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَ) كيف لا أؤمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت