تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 142
(يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) أي فتوقه فهذا مثال اعلاء الرحمة اياهم وبسط النعمة عليهم ثم تفريق أحوالهم وإخراج أموالهم عند استعلائهم على الرسل (فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) بالخصب فهذا مثال استبشار المؤمنين بالظفر من أموالهم بعد انتقامهم وهو النصر الكامل
(وَ) لا يمنع يأس الكفار من هذا الانتقام والنصر لاعدائهم كما لا يمنع يأس المرحومين بالمطر عن الامطار (إِنْ) أي انهم (كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ) المطر مستبعدين بل انهم كانوا (مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) أي آيسين فإن لم ينقطع يأسك بهذا المثال لاستبعادك الاحياء
(فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ) أي أثر الغيث من النبات والاشجار والحبوب والثمار تعرف (كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ) الذي أحيا الأرض بعد موتها (لَمُحْيِ الْمَوْتى) احياء الأرض بعد موتها كيف (وَ) لا تقصر قدرته عن احياء غير الأرض إذ (هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ) يأسهم عن احياء لموتى كيأسهم عن الزرع فانا
(لَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا) على الزرع (فَرَأَوْهُ) من تأثيرها فيه (مُصْفَرًّا لَظَلُّوا) أي صاروا (مِنْ بَعْدِهِ) أي من بعد الاصفرار قبل الموت آيسين من حياته حتى انهم (يَكْفُرُونَ) بقدرة اللّه على احيائه فمن أنكر قدرته على احياء الزرع بعد اصفراره وقد رأى قدرته على احياء الأرض بعد موتها فهو ميت لا يمكن اسماعه خبر احياء الموتى
(فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى) وإن ادعوا حياتهم فهم صم (وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ) فإن أمكن تفهيمهم بحركة الشفة واللسان واليد فلا يمكن (إِذا وَلَّوْا) ظهورهم إلى الداعى (مُدْبِرِينَ) لا يلتفتون إليه أصلا وكيف يمكن اسماعهم ولا يمكن في حقهم ما هو أتم وهو اراءتهم الدلائل لأنهم عماة
(وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ) تنقذهم (عَنْ ضَلالَتِهِمْ) وإن كان العماة يريدون الانفاذ عن الآفات لأنهم لا يؤمنون بأن ههنا آفات (إِنْ) أي ما (تُسْمِعُ) من العماة آفة (إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا) ولا تكفى المعرفة القلبية بل يشترط الاذعان بحيث (فَهُمْ مُسْلِمُونَ) أي منقادون لما علموه ثم انه لا وجه لليأس عن احياء الزرع بعد الاصفرار فإن غايته أنه ضعف بل لا وجه لليأس عن احياء الموتى فإن غاية الموت انه كمال الضعف ولا يعسر على اللّه قلب الضعف بالقوّة ولا القوّة بالضعف إذ
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) أي من أصل ضعيف هو النطفة (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ) في الاطوار إلى أيام البلوغ (قُوَّةً) في أيام الشباب (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ) أي أيام الكهولة (ضَعْفًا) في أيام الشيخوخة (وَشَيْبَةً) في أيام الهرم ولا يمتنع عليه التقوية بالاحياء بعد ذلك في البرزخ ثم تضعيف تلك الحياة بنفخ لصور ثم تقويتها بالبعث لأنه (يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ) لكن لا يجاوز حد العلم إذ (هُوَ الْعَلِيمُ) ولا يوجب علمه العجز على خلاف المعلوم لأنه (الْقَدِيرُ) لكنه لا يخالف علمه
(وَ) كيف يقرون بالبعث من الموت اليوم برؤية احياء الأرض أو تقوية الضعف ولا يقرون به يوم البعث فانه (يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ) انه ليس بعثا عن الموت بل عن النوم لأنهم (ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ) وانما صرفوا عن حقيقة البعث بعد رؤيته لأنهم (كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ) أي يصرفون
(وَ) لا يتركون على هذا الصرف بل يبين لهم ليعلموا