تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 153
مع استقرار تعظيمه في النفوس أي من يا نبئ بالحقائق فارتفع شأنه (اتَّقِ اللَّهَ) أي اجعل اللّه وقاية عظمتك ومقتضى ما نبئت (وَ) انما يتم تقواك بترك محبة أعدائه فضلا عن اطاعتهم (لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ) وإن خفت عداوتهم وكيف لا يتقى من أحاط علما بالأشياء ويراعى مقتضى حقائقها (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) ومقتضى حقيقة المحب عداوة عدوّ المحبوب ومقتضى حقيقة المحبوب ابتلاء المحب بما يميز صدقه عن كذبه روى انه صلّى اللّه عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود فتابعه ناس منهم على النفاق فكان يلين لهم جانبه ويتجاوز عن قبحهم فنزلت
(وَ) لكونه عليما حكيما (اتَّبِعْ) حتى في تقواه وعداوة أعدائه لئلا تقع في الافراط والتفريط (ما يُوحى إِلَيْكَ) سيما وهو (مِنْ رَبِّكَ) الذي رباك باوامره ونواهيه بحسب تأثير الأعمال بالخير والشر (إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) مطلعا على بواطن تأثيره
(وَ) لا تترك متابعة الوحى مخافة أحد بل (تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ) اكتف به إذ (كَفى) لمن توكل عليه (بِاللَّهِ وَكِيلًا) يدفع عنه ما يخافه وكيف تترك متابعة الوحى لقول الكفار مع انهم ربما يتفقون على صريح المحال كالشرك ومن ذلك قولهم ان اللبيب الاريب له قلبان وادعى ذلك لنفسه أبو معمر او جميل بن أسد الفهرى فانهزم يوم بدر واحدى نعليه في يده والأخرى في رجله فكلمه أبو سفيان في ذلك فقال ما ظننت الا انهما في رجلى فكذبهم اللّه تعالى بقوله
(ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ) وإن بلغ ما بلغ من الكمالات (مِنْ قَلْبَيْنِ) تتصرفان (فِي جَوْفِهِ) وإن جعل في ظاهره عينين وإذنين ويدين ورجلين إذ لو تعدد الزم تعدد ما هو الاصل في الإنسان فإن اتفقا كان احدهما زائدا فلا يفتقر إليه والاصل لا بد ان يفتقر إليه فيكون مفتقرا إليه وغير مفتقر إليه معا وان اختلفا لزم ان يكون باحدهما عالما بشيء ومريد الشيء وجأهلا بذلك الشيء وكارها لذلك الشيء وكجعلكم الزوجة في الظهار أما فقال تعالى (وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ) أي تقولون لاحداهن أنت علىّ كظهر أمى والاصل البطن الا انهم لم يذكروه لمقاربة الفرج وكانوا يكرهون اتيان المرأة من قبل الظهر لزعمهم انه يوجب كون الولد أحول فشبه بالظهر ثم أضيف إلى الام تغليظا (أُمَّهاتِكُمْ) لا حقيقة لاستحالة كون المرأة الواحدة والدة غير والدة لشخص واحد ولا مجاز الانّ الام مخدومة يخفض لها جناح الذل من الرحمة والزوجة مستخدمة كالمملوكة يتصرف فيها بالفراش وغيره فتكون مخدومة شخص غير مخدومته معا وكجعلهم الداعى وهو المتبنى ابنا فقال تعالى (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ) حقيقة لاستحالة أن يكون الواحد مخلوقا من نطفة شخص غير مخلوق منها واما المجاز فهو كونه محل الشفقة والرحمة فلا يلحقه أحكام المعنى الحقيقى من تحريم تزوج امرأته أو ابنته أو توريثه وكيف يلحق أحكام المعانى الحقيقية بالمجازية مع انّ (ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ) لا عن الواقع في القلب من صورة ذلك المعنى الحقيقى الذي في الواقع بل (بِأَفْواهِكُمْ وَ) الحكم انما يتعلق بالشيء باعتبار ما له في الواقع إذ (اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ) وكيف يوقع الالتباس بين المعانى الحقيقية والمجازية (وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) وللاحتراز عن ترتب احكام البنوّة من التوريث وغيره
(ادْعُوهُمْ) منسوبين (لِآبائِهِمْ هُوَ