تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 177
فى ذاته مثل الماء الذي لا يقبح لذاته أصلا ومع ذلك
(ما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ) عند الإنسان وان استويا في نفس الماء لكن (هذا) مرغوب له باعتبار ما قارنه من الصفات مثل انه (عَذْبٌ فُراتٌ) يكسر العطش (سائِغٌ شَرابُهُ) سهل انحداره (وَهذا) مكروه له باعتبار ما قارنه من الصفات مثل انه (مِلْحٌ أُجاجٌ) يحرق بملوحته (وَ) ليس بالنظر إلى الفوائد إذ (مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا) في مقابلة الشرب (وَ) تستفيدون من المالح فائدة اجل من الاكل والشرب إذ (تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً) أي زينة (تَلْبَسُونَها) افتخارا فهذه فائدة خاصة لا يضطرّ إليها (وَ) تستفيدون منه فائدة أخرى يضطرّ إليها اضطرار العطشان إلى الماء وهو التجارة إذ (تَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ) أي شاقة للماء أسهل من شق البحر العذب لثقله وهي تحمل الامتعة التي يشق حملها على ظهور الانعام في طريق البر (لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) من الريح أو العلم الذي لا يحصل في دار الإقامة (وَ) انما فعل بكم ذلك (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فالشكر محبوب له بذاته والعبادة انما تصير شكرا وضده باعتبار تلك المساعى التي يزيدها حسنا أو قبحا ولا يبعد على اللّه ان يولج ذلة العذاب في عزة المال وعزة القرب من اللّه في ذلة العبادة فانه
(يُولِجُ اللَّيْلَ) ظلمته (فِي) ضوء (النَّهارِ) فيزيده (وَيُولِجُ النَّهارَ) ضوءه (فِي) ظلمة (اللَّيْلَ) فيزيدها (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) والتسخير ذلة جعلها عين عزتهما باظهار أنوارهما وآثارهما (كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) فإذا تم انقلبت العزة ذلة وكيف لا تكون عبادة اللّه عزة مع انه (ذلِكُمُ اللَّهُ) البعيد يتقرب بها إليه ويفيدكم التقرب إليه من حيث هو (رَبُّكُمْ) مع انه الذي (لَهُ الْمُلْكُ) وخدمة الملك عزة في العرف فكيف خدمة ملك الملوك (وَ) انما الذلة المحضة عبادة (الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) إذ (ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) لفافة النوى كيف وهي تذلل لما هو في غاية النقص لأنهم بحيث
(إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ) إذ لا سمع لهم (وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ) لعجزهم عن الإجابة القولية والفعلية (وَ) ان لم تظهر ذلة عبادتهم الآن تظهر (يَوْمَ الْقِيامَةِ) إذ (يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) فيقولون ما رضينا به واى ذلة فوق ذلك وهذا وان لم يقع الآن فلا بدّ من وقوعه لأن مخبرك به خبير (وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) بالبواطن التي هي المآل
(يا أَيُّهَا النَّاسُ) الذين نسوا احتمال الذلة للحاجة ان لم يحصل لكم من عبادة اللّه عزة فلا بدّ لكم من فعلها إذ (أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ) تعالى وان استغنى عن عبادتكم من حيث (هُوَ الْغَنِيُّ) أمركم بها من حيث هو (الْحَمِيدُ) إذ يصير بها مشكورا محمودا وهو لحبه الحمد يحب من يحمده ويشكره بالعبادة ويبغض من يترك حمده وعبادته فإن تركتم ذلك
(إِنْ يَشَأْ) بمقتضى غضبه مع غناه عنكم (يُذْهِبْكُمْ) فيلحقكم بالعدم الذي هو غاية الذلة (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) يحمدونه ويعبدونه
(وَ) لغناه عن مباشرة الأسباب والآلات والنظر والتأمل مع اقتضاء حمده ذلك (ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) صعب
(وَ) لا يرتفع غضبه بتحمل سببه وهو الاثم عنكم إذ (لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) أي لا تحمل نفس آثمة اثم غيرها لا بدون دعوة (وَ) لا بدعوة فانه (إِنْ تَدْعُ) نفس (مُثْقَلَةٌ) أثقلها الاوزار (إِلى حِمْلِها)