فهرس الكتاب

الصفحة 781 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 320

(وَ) بذلك ظهرت قدرته فيهما حتى قيل (هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لكن هذه الحوادث لا تبطل اتحادها به من وجه وهو اتحاد الظاهر والمظهر إذ

(هُوَ الْأَوَّلُ) الذي فاض منه وجود الكل فيضان نور الشمس (وَالْآخِرُ) الذي يرجع إليه وجود الكل إذ لا وجود لها من ذواتها كيف (وَ) هو (الظَّاهِرُ) في حقائق الموجودات (وَ) لكنه لما اكتنف بالحوادث فيها خفى وجوده الصرف فهو (الْباطِنُ) وكيف لا يكون للكل به اتحاد (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) مع ان علمه واحد ولا يعلم به الا معلوم واحد من وجه ووجود الأشياء وان كان متحدا به فهو حادث لدخوله تحت الزمان فصح ان يقال

(هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ) بالرجوع إليه لا تصير قديمة إذ ذاك من فيضه باعتبار أنه (اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) ولا يلزم من وحدة علمه جهله بتفاصيل الجزئيات بل (يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ) من الفوائد (وَما يَخْرُجُ مِنْها) من الكوائن (وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ) من آثار حركاتها (وَما يَعْرُجُ فِيها) من كمالات إخراجها ما بالقوة إلى الفعل كيف (وَ) هو علمه بذاته أيضا إذ (هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) من السماويات والأرضيات بالظهور فيكم فهو علمه بذاته من حيث معيتها لكم بالعلم (وَ) من هذه المعية يبصر أعمالكم حتى قيل فيه (اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وليست هذه المعية موجبة لمساواتكم له بل

(لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) بل معية المملوك للمالك في رجوعه إليه (وَ) من هنا قيل (إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) حتى ان الأمور الراجعة إلى السماويات راجعة إليه إذ هو

(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) لتحصيل الفصول المختلفة لتكوين الكوائن وافساد الفواسد (وَ) كما ترجع إليه الأمور الظاهرة ترجع إليه الأمور الباطنة لذلك (هُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ آمِنُوا بِاللَّهِ) الذي إليه مرجعكم وهو قادر على تكميلكم وتقريبكم واثابتكم وتبعيدكم وتعذيبكم وإذا قربكم تجلى عليكم التجلى الشهودى فتتنزهون بمقتضى الحكمة وتتصفون بصفات العزة وزين ظاهركم وباطنكم وكان معكم بانواع اللطف واولج ليل نفسكم في نهار روحكم أو قلبكم (وَرَسُولِهِ) الذي هو واسطة هذه الكمالات (وَأَنْفِقُوا) تأييدا لإيمانكم لكونكم وما تملكونه ملكا للّه فليس بملككم بالحقيقة بل هو (مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) فانفقوا ما له في سبيله وكالة عنه لتؤثروا حبه على حب المال وتتوكلوا عليه لا على المال (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) أجر الإيمان واعتقادانكم وأموالكم ملك اللّه وايثار حبه والتوكل عليه

(وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ) قد ورد الشرع بايجابه إذ (الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) إلى النظر في ربكم (لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) الذي رباكم بنعمه فوجب عليكم شكره لا بالعقل وحده بل به بعد ورود الشرع (وَ) لم يستقل الشرع بايجابه بدون العقل بل (قَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ) بالدلائل العقلية (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي مصدقين للعقل بعد ورود الشرع تصديق البصر بعد طلوع الشمس وليس لكم أن تقولوا لا ننظر ما لم يجب علينا ولا يجب علينا ما لم ننظر لأن وجوب النظر بعد ورود الشرع يصير ضروريا إذ

(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ) الكامل (آياتٍ بَيِّناتٍ) لا يتوقف الايجاب بها على نظر في نفس الدليل ولا في رفع الشبه لأن هذا التنزيل كان (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت