فهرس الكتاب

الصفحة 785 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 324

بالشيء يوجب الحزن على فواته فيوجب البخل عليه ثم لا يزال يرسخ فيه حتى يراه صفة محمودة يأمر بها من يحبه ثم يعم الناس فهؤلاء الفرحون هم

(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) ليعرضوا عن أمر اللّه بالانفاق (وَمَنْ يَتَوَلَّ) عن أمر اللّه لم يضر اللّه ولو بالبخل فيما يأمر بالانفاق فيه (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ) عن انفاقه (الْحَمِيدُ) الذي لا يلحقه الضرر الذي به الذم وليس التقدير مانعا من التدبير بل يتوقف بعض التقادير عليه لذلك

(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ) ليتدبر الناس في صدقهم (وَأَنْزَلْنا) إلى الناس (مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ) العقلى ليتدبروا بهما في أمور دينهم ودنياهم (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) أي العدل عن كل التدبير (وَأَنْزَلْنا) ليدبروا بدفع المعاند عنهم (الْحَدِيدَ) إذ (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ) ليس إنزاله لمحض الشر إذ فيه (مَنافِعُ) كثيرة (لِلنَّاسِ) كلهم لتوقف الصنائع عليه (وَ) البأس أيضا ليس بشر على الاطلاق إذ كثيرا ما يكون لنصر اللّه ورسوله فكان إنزاله (لِيَعْلَمَ اللَّهُ) أي ليظهر ما علم من أنه (مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ) وهو وان كان ينتصر لذاته ورسله بعد كشف الحجب البتة لكن ربما لا ينتصر (بِالْغَيْبِ) وليس ذلك لضعفه وذلته حينئذ بل (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ وَ) ارسال الرسل وان كان لافادة الهداية فانما يحصل لمن قدّرت له والا فلا وان كان من ذرية كبار الرسل فانا

(لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ) من كبار الرسل (وَ) لم تنقطع نبوّتهما ورسالتهما إذ (جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَ) الرسالة إذ جعلنا فيهم (الْكِتابَ) لكن لم تعم الهداية جميع ذريتهما (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ثُمَّ) لم يزل الفسق فيهم وان

(قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ) تأكيدا لرسالتهم (بِرُسُلِنا) المنسوبين إلى مقام عظمتنا (وَقَفَّيْنا) هؤلاء الكبار زيادة في التأكيد (بِعِيسَى) الملتبس بالاله عند جماعة لذلك قفى بكونه (ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ) تكميلا لرسالته (الْإِنْجِيلَ) الذي هو أشمل الكتب المتقدمة على دقائق الحكمة (وَ) لذلك ظهرت له آثار جميلة إذ (جَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً) لاجلها لا يقتلون القاتل ولا يضربون الضارب والشاتم (وَرَحْمَةً) بتحسين أخلاقها ومساعيها (وَرَهْبانِيَّةً) جعلناها في قلوبهم حتى (ابْتَدَعُوها) قبل أن يرد في نص كتاب ثم (ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا) لاجل أن فيها (ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ) لأنها مؤكدة للأعمال المشروعة الا انها لما كانت حرجا عليهم عجزوا عنها (فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها) فمع هذا التأثير ضل من قدّر عليه الضلال حتى كفر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم (مِنْهُمْ) أي من هؤلاء الرهبان (أَجْرَهُمْ) على دينهم ودين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ورهبانيتهم (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ) وإن كان فيهم الرأفة والرحمة والرهبانية (فاسِقُونَ) بترك الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يؤجرون على شيء منها وانما كثر فساقهم لعدم تقواهم اعتمادا على رهبانيتهم

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مقتضى إيمانكم باللّه تقواكم للّه (اتَّقُوا اللَّهَ) ولا تجترؤا على معاصيه اعتمادا على رهبانيتكم (وَ) انما يتم التقوى بالإيمان بجميع الرسل سيما المتأخر (آمِنُوا بِرَسُولِهِ) المتأخر فإن الإيمان به يتضمن الإيمان بالكل (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ) أي نصيبين (مِنْ رَحْمَتِهِ) أي ثوابه كفل على الإيمان بالمتقدم وكفل على الإيمان بالمتأخر كما يؤتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت