فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 329
التردد والحلف الكاذب ومن أسوا أعمالهم انهم
(اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ) الكاذبة (جُنَّةً) عن ضرركم مع انكم انما تضرونهم بالجر إلى سبيل اللّه وهم يكرهون ذلك (فَصَدُّوا) أي منعوا أنفسهم (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) استهانة لسبيله بجعل ضرر تركه أهون من ضرر ذلك العلم المفيد للتردد (فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) ولا ترفع تلك الإهانة أموالهم ولا أولادهم فانه
(لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) فإن أغنيا في الدنيا لم يغنيا في الآخرة إذ (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) ولا يتخلصون عنها بحرمة مال ولا ولد بل (هُمْ فِيها خالِدُونَ) وكيف لا يكون لهم الخلود في النار مع اصرارهم على الأيمان الكاذبة يوم القيامة فانهم يجترؤن على اللّه
(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) فيسألهم عن جراءتهم عليه وصدهم عن سبيله (فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ) فيجترؤن عليه اجتراءهم عليكم مع اجترائهم عليه ههنا أيضا (وَ) لا يبالون لهذه الجراءة يوم القيامة إذ (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ) من حيل دفع العذاب مع انه سبب زيادته إذ يظهر به كذبهم في الدارين (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) المستمرون عليه إلى ذلك الوقت وانما يجترؤن على الأيمان الكاذبة حينئذ لأنهم
(اسْتَحْوَذَ) أي غلب (عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ) فاوهمهم النجاة فيها (فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) فضلا عن ذكر علمه المحيط وقدرته الشاملة وحكمته البالغة فصاروا لا يبالون له كما لا يبالى له الشيطان إذ (أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ) في الدارين ولا يفيدهم شيأ في الدارين (أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ) فوائد الدارين بالحقيقة وان حصلوا في الدنيا بعض الخوارق فضررها أعظم من نفعها فإن زعموا أنهم كيف لا ترفع درجاتهم إذ جمعوا بين علومهم وعلوم المسلمين يقال ان هذا الجمع ربما يدعو إلى اتخاذ حدود غير حدود اللّه وهو يوجب الذلة
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي يتخذون حدودا غير حدوده ويكفى في ذلك مخالفة حدود رسول الزمان (أُولئِكَ) البعداء عن الأمر الواجب مستقرون (فِي) مقام (الْأَذَلِّينَ) وكيف يحصل لهم رفع الدرجات بهذا الجمع ولا يزالون مغلوبين لأنه
(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) ولو لم يكتب لم يغلب أيضا (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ) كيف والمغلوبية ذلة وهو (عَزِيزٌ) فإن زعموا ان محادة اللّه ورسوله انما تتصوّر من الكفار ونحن مؤمنون يقال
(لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فإن الإيمان به يوجب محبته وهي توجب عداوة أعدائه (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) لوضوح المنافاة بين الإيمان بهما ومحبة أعدائهما فإن الإيمان به يوجب الاحتراز عما يضر فيه ومحبتهم ضارة فيه لأنها توجب المعية بهم (وَ) هذه المنافاة ذاتية بحيث لا تعارضها المحبة التي هي كالذاتية (لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) فكيف تعارضها العارضة لطلب العلم وانما دفعت هذه المحبة تلك مع انها كالذاتية التي لا تزول بغير إذ (أُولئِكَ) الكمل الذين لا يبالون بما سوى اللّه (كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ) فحا ما ينافيه سيما (وَ) قد (أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ) كيف يحبونهم وقد علموا وجوب قطع محبتهم لأن اللّه تعالى يدخلهم النار والمؤمنون (يُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) لا جرائهم أنهار المعارف بقلوبهم من قرب ربهم فلا حاجة لهم إلى اكتسابها من أعدائه سيما وقد كانت