تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 331
وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ) عذبه لا محالة (فَإِنَّ اللَّهَ) وإن كان حليما فلا يحلم أبدا على من شاقه فإن يحلم في الدنيا فلمزيد شدة عليهم في الآخرة إذ هو (شَدِيدُ الْعِقابِ) ولما كان الجلاء إذلالا للكفار واعزاز للمسلمين فكذا قطع بعض النخيل وابقاء البعض فانه عليه السّلام أمر بقطعها فقالوا يا محمد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال النخيل تقطع فاستمر على القطع بعضهم وترك البعض فانزل اللّه تعالى
(ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ) أي نخيل (أَوْ تَرَكْتُمُوها) لا لقصد الاحراق بل (قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ) ليعز المؤمنين باذهاب غيظهم على الكفار فيما قطع وبحصول الفئ لهم فيما أبقى (وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) بجعل ما أبقى لاعدائهم وقطع رجائهم عما قطع (وَ) انما كان ابقاء ما بقى اعزازا للمؤمنين وإذلالا للكافرين لان
(ما أَفاءَ اللَّهُ) أي رد (عَلى رَسُولِهِ) بعد ما خلق له الكل ثم جعله لمن دونه فانتزع (مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ) أي سيرتم بسرعة قبل أن يصل الخبر إليهم (عَلَيْهِ) أي على تحصيله (مِنْ خَيْلٍ وَلا) ما دونه من (رِكابٍ) أي مركوب من ابل أو حمار لا بد منه في السير إلى أرض العدوّ لئلا تسرع اليكم الهزيمة (وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) بالقاء الرعب في قلوبهم فهو معجزة مخصوصة بقدرة اللّه لا عزاز رسوله وإذلال أعدائه (وَ) لا يمنع من إذلال الكفار كثرة أسباب العزة عندهم ولا من اعزاز الرسول قلة أسبابها عنده إذ (اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ) فهو وان خلق للرسول بالاصالة لكن نقل عنه بعض الأشياء فصار لأهل القرى فإذا أفاءه على رسوله فقد نزعه (مِنْ أَهْلِ الْقُرى) فصار للنازع فيه سهم وللمردود عليه سهم (فَلِلَّهِ) الاخماس الاربعة (وَلِلرَّسُولِ) خمس الخمس (وَلِذِي الْقُرْبى) بنى هاشم والمطلب لا بنى عبد شمس ونوفل لإبطالهم قرابتهم لقطعهم المعاملة معه لأن لهم دخلا في سببية حصوله وقدمهم لأن حاجتهم كحاجته عليه السّلام (وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) لأن لهم دخلا في النصر وقدم اليتامى لشدة حاجتهم ولم يجعل له في الصدقة نصيبا ولا لذى القربى لأنها من أوساخ الناس فكره أن يكون منشؤهم عليها وانما قسم مال القئ هذه الاقسام (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً) أي متداولا دائرا (بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) أي أهل القتال إذ تصيرون أغنياء فيتركون القتال حبا للحياة (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ) من الاخماس الاربعة التي أمر اللّه (فَخُذُوهُ) من غير تقدير (وَما نَهاكُمْ عَنْهُ) من أخذ الخمس الباقى (فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ) ان تأخذوا ما جعل لغيركم (إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) والسهام الاربعة التي للّه فهي لرسوله في حياته بجعلها
(لِلْفُقَراءِ) لأنهم أحوج (الْمُهاجِرِينَ) إلى اللّه ورسوله فهم أحق بالعطاء سيما من حيث انهم (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ) فلا بد من تعويضهم عنها وكيف لا يتفضل عليهم بها مع انهم انما هاجروا (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ) لا يصرفون الأموال في غير مصارفها لأنهم يبتغون من اللّه (رِضْوانًا) كيف (وَ) هم أولى المستحقين من المترصدين للجهاد لأنهم (يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وكيف لا يعطون سهام اللّه مع أن (أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) في محبته فعطاؤهم ينزل منزلة عطائه عز وجل وكيف لا يخص هؤلاء بالعطاء مع ما فيه من الترغيب في الهجرة
(وَ) الانصار نقص استحقاقهم لعدم هجرتهم لأنهم