فهرس الكتاب
تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 80
إلى أن ما يأتى به صاحب المعجزة خير في نفسه فلو لم تتميز المعجزة عن سائر الخوارق فعليكم ان تفعلوا ما هو الخير بكل حال ولو قالوا ان أمر الشبه صعب لا يكاد يسهل أجيبوا إنما صعب لكراهتكم حلها لما يفوتكم من الدين المألوف لكم فيكون حلها على أنفسكم بمنزلة القتل لها فالكره في حلها كالكره في الجهاد إذ
(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) ومنه الجهاد إذ به ظهور الإسلام وتيسير أعماله بلا مانع وحل الشبه إذ به الوصول إلى الحق المفيد للسعادة الأبدية المنجى عن الشقاوة الأبدية (وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) ومنه ترك الجهاد القالع للإسلام المانع من أعماله وحب الملة الباطلة المفوتة للسعادة الأبدية المفضية إلى الشقاوة الأبدية ثم قال (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) فإذا اشتبه عليكم شيء فعليكم بكتاب اللّه وسنة رسوله ثم أشار إلى أن مما اشتبه عليهم أمرك بقتالهم في الشهر الحرام مع قولك بحرمته وهو أيضا سهل الرد فهم
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ) أيحرم أم لا فتقول انه حرام فيسألونك عن (قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) من المعاصى الكبائر كيف (وَ) هو (صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي عن التجارة التي جعلها اللّه سبيل الرزق لعباده (وَ) لو استبيح هذا القتل فهو (كُفْرٌ بِهِ وَ) صد عن (الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) إذا قتل الحجاج الخارجون في الشهر الحرام فهذا وجه تحريم القتال في هذا الشهر (وَ) لكن (إِخْراجُ أَهْلِهِ) أي إخراجهم أهل المسجد الحرام وهم النبى والمؤمنون (مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ) جرما من قتلهم اياهم لأن الإخراج فتنة (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) فقد فعلوا بكم في المسجد الحرام ما هو أكبر من القتل فيه وحرمة المسجد كحرمة الشهر على ان قتلهم لكم ليس كقتلكم لهم لانكم تقتلونهم دفعا عن أنفسكم وعلى أن يؤمنوا فيفوزوا بخير الدارين (وَ) هم يقاتلونكم لطلب الردة بل (لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا) أي قدروا على ردتكم وهي أضر من القتل الذي تدفعونه لأن غاية القتل الموت وهو حاصل للمرتد وان لم يقتل (وَ) انما كانت الردة أضر لأنه (مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أي تلفت جميع مساعيهم النافعة لهم (فِي الدُّنْيا) إذ ترفع الامان عن أموالهم وأهلهم (وَالْآخِرَةِ) إذ يسقط ثوابهم (وَ) لا يقتصر عليه بل (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) وهي أشد من القتل سيما إذ (هُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بحرمة الشهر في نفسه وجواز قتال المخرجين أهل المسجد الحرام منه (وَالَّذِينَ هاجَرُوا) إذ أخرجوا من المسجد الحرام (وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ولو في الشهر الحرام للدفع عن أنفسهم أو للدعوة إلى الإسلام المفيد لهم في الدارين (أُولئِكَ) وإن باشروا القتال في الشهر الحرام (يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) على إيمانهم وهجرتهم وجهادهم للدفع أو لإيمان المقتول (وَاللَّهُ غَفُورٌ) لهتكهم حرمة الشهر (رَحِيمٌ) بما رخص في القتال مع قيام دليل الحرمة ومما اشتبه عليهم أمر الخمر لأنها تقوّى وتفرح ويؤدى سكرها إلى التشاتم والتضارب والتقاتل وأمر الميسر لأنه يحصل لواحد مالا ويضيعه على آخر فهم
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) ايباحان لمنافعهما أو يحرمان لمفاسدهما (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ)