فهرس الكتاب

الصفحة 802 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 341

وانما يملكها من كان واجب الوجود فلا بد وأن يتصف بوصف (الْقُدُّوسِ) في ذاته ولا يكون في وصفه حادث لاتصافه بوصف (الْعَزِيزِ) ومن عزته تنزه عن العبث والسفه فاتصف بوصف (الْحَكِيمِ) في أفعاله

(هُوَ الَّذِي بَعَثَ) باعتبار هذه الاسماء إذ الملك يبعث إلى الرعايا والقدوس لا يظلم بتعذيب الغافل عن التكليف ولا قبل التكليف ولا تصلح الأفعال بدونهما والعزيز يقتضى العبودية والعبادة امتثال الأمر فلا بد من ايصاله إلى المأمور والحكيم لا يعطل الجزاء الذي به صلاح المعاش والمعاد (فِي الْأُمِّيِّينَ) الذين هم أحوج إلى الرسول سيما وقد تغيرت الملل السابقة وانما بعث (رَسُولًا مِنْهُمْ) ليعلم أن ما ظهر على يديه من العلوم الشريفة انما هي من تعليم الحق كيف ولو كانت من تعليم الخلق لم تكن آياته لكنه (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ) ليست من قبيل السحر إذ لا يفيد التزكية لكنه (يُزَكِّيهِمْ) على انه انما يتوهم في المعجزات الفعلية (وَ) هو (يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ) ليس إعجازه بمزيد فصاحته بل لتضمنه (الْحِكْمَةَ) التي يعجز عنها الحكماء الماضون وكيف يكون سحرا وقد أفاد الهداية في العموم (وَإِنْ) أي وانهم (كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَ) انما عمت الهداية لأنها لم تختص بالحاضرين بل عمت

(آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) إلى الآن (وَ) ليس فيه شيء من القاء الشيطان إذ (هُوَ الْعَزِيزُ) فلا يغلبه الشيطان وهو وان أمكنه من الاغواء فلا يمكنه في المعجزات لأنه (الْحَكِيمُ) فلا يمكنه من اغواء لا يمكن المكلف التخلص عنه وكيف يكون اغواء مع ما فيه من الفضل بالهداية ولا ينسب إلى الشيطان بل

(ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ) وهو وان كان على غاية الجود فلا يجود بالارسال على الكل بل (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ) لكنه يتفضل على الكل بالارسال إليهم إذ (اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فلا بد له من عموم وخصوص فإن زعموا انه لو كان فضلا لاخذ به أهل التوراة ولكن أكثرهم على إنكاره يقال انما يأخذ به من بقيت إنسانيته لا من صار إلى الحمارية لكن

(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ) أي كلفوا لأن يتصفوا بما فيها من الأخلاق الجميلة والأعمال الصالحة بعد حمل ألفاظها (ثُمَّ) بعد حمل ألفاظها (لَمْ يَحْمِلُوها) أي لم يتصفوا بما فيها (كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا) منها يتعب بحملها ولا ينتفع بما فيها ولا يبعد اتفاق جمهور هؤلاء على ترك الفضل الالهى لمثلهم إلى الحمارية المرجحة للمال والجاه على تحصيل فضل اللّه فانه (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ) فلا يبعد منهم الاتفاق على هذا القبيح (وَ) لا يبعد أن لا يهتدوا إلى الفضل الالهى بعد ما ظلموا بآيات التوراة إذ (اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) للاعتراف بهذا الفضل الالهى فإن زعموا أنهم لم ينتقلوا إلى الحمارية بل صاروا إلى أعلى مراتب الإنسانية وهي الولاية

(قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا) مجرد اليهودية لا يقتضى الولاية فضلا عن حصرها (إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ) بمجرد كونكم هودا (أَوْلِياءُ) خاصة (لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ) أي مجاوزة تلك الولاية سائر الناس (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) فإن الولى لا بد وان يشتاق إلى لقاء اللّه ويعلم انه لا يحصل الا بالموت فلا بد وأن يميل طبعه إليه وان كان مكروها شرعا فيحصل لكم الموت عقيبه بالدعوة النبوية لكن لا تتركون لذلك هذا التمنى (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في هذه الدعوى

(وَ) لكنهم (لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا) لا في وقت علموا الدعوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت