فهرس الكتاب

الصفحة 804 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 343

للتحذير عن صحبتهم (الرَّحِيمِ) بجعل شهادتهم وأيمانهم جنة لدمائهم

(إِذا جاءَكَ) أيها المطلع على البواطن (الْمُنافِقُونَ قالُوا) ليشغلوك عن بواطنهم بكلمة تحبها مؤكدة بوجوه وهي (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) أكدوها بلفظ الشهادة لأنها علم عن شهود ويجعل الجملة اسمية مؤكدة بان واللام ليتقرر في ذهنك ان بواطنهم على ذلك (وَ) هؤلاء كما جمعوا بين الإيمان والكفر في أنفسهم جمعوا بين الصدق والكذب في كلمتهم بأن المشهود به صدق لمطابقته للواقع الذي هو علم المرسل إذ (اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ) جعلهم اياها شهادة مؤكدة تدل على أنها اعتقادهم كذب لمخالفته للواقع الذي هو اعتقادهم بشهادة اللّه إذ (اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) ولا يبعد منهم أن يتخذوا هذه الشهادة جنة لدمائهم مع علمهم باطلاع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الغيوب التي من جملتها بواطنهم فانهم

(اتَّخَذُوا) مع علمهم باطلاع اللّه (أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) حين تقاتل على الماء جهجاه أجير لعمر رضى اللّه عنه وسنان حليف لعبد اللّه بن أبى فلطم جعال من فقراء المهاجرين سنانا فقال عبد اللّه واللّه ما صحبنا محمدا الا لنلطم أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الا عزمها الاذل يعنى نفسه ومحمدا أما واللّه لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لأوشكوا أن يتحولوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فسمع بذلك زيد بن أرقم فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال واللّه الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيأ من ذلك وان زيدا لكاذب فنزلت فقال عليه السّلام ان اللّه قد صدقك وكذب المنافقين واليمين وان جازت لدفع الضرر فهم زادوا بها ضررا إذا صروا على الكفر (فَصَدُّوا) اعرضوا (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) الذي هو إخلاص الإيمان بالتوبة فالصد عن سبيل اللّه باليمين الفاجرة مع امكان الإخلاص والتوبة من أسوا الأعمال (إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ذلِكَ) أي اجتراؤهم على اليمين الكاذبة دفعا لضرر الإخلاص والتوبة والقتل

(بِأَنَّهُمْ آمَنُوا) لرؤية المعجزات (ثُمَّ كَفَرُوا) بما خالجهم من الشبهات (فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ) فلا تحل لهم الشبهات (فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) أي تلك الشبهات لا تعارض دلالة المعجزات بل يرونها راجحة فيرون الإخلاص والتوبة كالقتل ضررا محضا

(وَ) هذا الطبع يكاد يظهر ظلمته في وجوههم لكن (إِذا رَأَيْتَهُمْ) ربما لا تلتفت إليها لأنه (تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ) لصباحتها وضخامتها (وَ) عدم فقههم يكاد يظهر في أقوالهم لكنهم (إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) لفصاحتهم وحلاوة كلامهم (كَأَنَّهُمْ) لا باطن لهم أصلا بل هم كالجمادات (خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) أي منصوبة إلى حائط فإن فرضتم حيوانات فهم من الجبن (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ) واقعة (عَلَيْهِمْ) فإن فرضتم شجعانا (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) لكن لا يقدرون على اظهارها إذ (قاتَلَهُمُ اللَّهُ) فضعفهم فمع تضعيف اللّه اياهم وتقوية رسوله (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) أي يصرفون عن اللّه إلى الضعفاء

(وَ) انما قوى فيهم هذا الصارف لصرفهم عن أنفسهم ما يصرف هذا الصارف فانهم (إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا) إلى ما يصرف عنكم هذه الشبهات الحاجبة عن الحق (يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ) فيكشف حجاب المعاصى عن قلوبكم فيظهر لها بطلان شبهاتكم (لَوَّوْا) أي عطفوا (رُؤُسَهُمْ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت