تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 377
لا أنظر فيه ما لم أعلم وقته لكن النظر فيه لا يتوقف على معرفة وقته بل يكفى له العلم بأنه لا بدّ من لقاء اللّه ولقاؤه انما يكون يوم القيامة بظهور نوره فيه وكانه يريد تأخير الإيمان به إلى وقته لكنه موجب للحيرة الداعية إلى الفرار
(فَإِذا بَرِقَ) أي تحير لرؤيته (الْبَصَرُ) تحيره لرؤية البرق
(وَ) كيف لا وقد (خَسَفَ) عند ظهوره (الْقَمَرُ* وَ) ان كان لا ينخسف لروية الشمس بل
(جُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) في الانخساف لانمحاء نورهما عند ظهوره فإذا رأى الإنسان هذا النور المحير
(يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ) لعموم النور فيه الاماكن (أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا) زجر له عن طلب المفر (لا وَزَرَ) أي لا ملجأ عن تحيره ولا عن سخطه بل
(إِلى) نور (رَبِّكَ) في كل مكان (يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) وبه يظهر ما يوجب سخطه إذ
(يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ) أي يوم ظهور نوره المظهر للأشياء (بِما قَدَّمَ) أي عمل (وَأَخَّرَ) فلم يعمل مع انه لا حاجة إلى انبائه بذلك
(بَلِ الْإِنْسانُ) مطلع عليه بنفسه لأنه (عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) أي كاملة النظر بما فيها
(وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ) الكاذبة عند الانباء وذلك الانباء من اطلاعهم على نور الحق مع تحييره اياهم كاطلاعك على أسرار الوحى مع تحيرك عنده حتى قيل لك
(لا تُحَرِّكْ بِهِ) أي بما نبئت به حال حيرتك بالوحى (لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) أي تحفظه خوفا من قواته عن التحير
(إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ) في قلبك بمعانيه (وَقُرْآنَهُ) أي تصويره بصور الحروف
(فَإِذا قَرَأْناهُ) بتصوير حروفه (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) بالاستماع إليه
(ثُمَّ) ان بقى فيه اشكال (إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) فإن زعموا ان غاية ما يحصل لهم يومئذ الحيرة من رؤية نور الحق كحيرتك من رؤية جبريل ولا يفضى ذلك إلى عذاب يوجب الفرار بل هو ملذلذة عظيمة هي اقصى آمال المقربين إليه يقال لهم
(كَلَّا) زجر عن تمنى اللذة (بَلْ) لا تحصل لهم رؤية أصلا لأنهم (يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ) فيصير حبها حجابا لهم
(وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) فلا يعملون لها عملا يفيدهم نورا يرون به نوره عز وجل ولا تحصل لأهل الكمال حيرة من رؤيته بل لهم
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ) لظهور أنوار الاعتقادات والأعمال فيه على تلك الوجوه (ناضِرَةٌ) أي مشرقة فهي بقوة ذلك النور
(إِلى) نور (رَبِّها ناظِرَةٌ) عيانا بلا حجاب ولا حيرة وتأويل الآية بانتظار الانعام مردود لأن الانتظار لا يسند إلى الوجه ولا يعدى بالى
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ) تقع في الحيرة الموجبة للفرار لو حصل لها رؤية لأنها (باسِرَةٌ) شديد العبوس فلا تناسب ربها في النورية ولها حيرة من أعمالها الطالحة وتقصيراتها عن الصالحة
(تَظُنُّ) أي تتوقع من أجل ذلك (أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ) أي داهية تكسر الفقار فانى يكون لها لذة الرؤية لو رأت وان زعموا ان هذه الأمور من خصائص يوم القيامة لو وجد لكن لا وجود له ولا تكون قبله يقال لهم
(كَلَّا) بل تكون عند الموت أيضا فانه (إِذا بَلَغَتِ) النفس (التَّراقِيَ) عظام الصدر
(وَقِيلَ) أي قالت الملائكة (مَنْ راقٍ) يرقى بروحه أ ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب
(وَظَنَّ) المحتضر (أَنَّهُ الْفِراقُ) فراق الدنيا ولذاتها
(وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) أي التوت شدائد الدنيا بشدائد البرزخ كالتواء الساق بالساق
(إِلى