عذراء الجهاد
ها قد مضى قرابة العام على انطلاقة الثورة السورية لا سقط فيها طاغية ولا نظام، ولا تدخل العرب ولا العجم .. عام سقطت فيه كل المراهنات، وانطلقت فيه آلة القتل لتسفك حتى دماء الحيوانات، واستكبرت فيه قوى الظلم والبغي والعدوان، بدء من النظام، مرورا بحلفائه الإقليميين، خاصة إيران والعراق وحزب الله في لبنان، ومن ورائهم موسكو وبكين، وانتهاء بنفاق دول الناتو. مضى عام .. انكشفت فيه عقائد طائفية صممت لتكون مدخلاتها العقدية ومخرجاتها السلوكية أحط من الانحطاط .. وأفجر من الفجور .. لا ينفع معها تفاهمات ولا مصالحات، صارت ضربا من المستحيل .. نظم انفجرت قرائحها على شهوة الدم، وإشاعة القهر والخوف والترويع والترهيب والظلم والمهانة والإذلال والقمع والاضطهاد والتعذيب والاغتصاب والابتزاز والفساد والإفساد والاستهتار بكل حرمة أو مقدس .. فما خلفت وراءها إلا قروحا غائرة العمق .. قروح لا يمكن أن تندمل ما بقي هذا النظام، ومن ورائه طائفته، على مرأى العين.
ما لا يحتاج إلى مواربات خادعة هو الإقرار علانية بحقيقة أن الصراع مع هذا النظام هو صراع طائفي صريح .. صراع مع طائفة صنعتها القوى الدولية، منذ عهد الانتداب البريطاني ورعتها إلى يومنا هذا، وتخوض بها حربها على الإسلام والمسلمين .. صراع رسخ رفعت الأسد دعائمه وبنيانه بأبشع الوسائل والأدوات والأساليب المتوحشة، واستعبد فيه شعب على مرآى من العالم، الذي صمت صمت القبور، وهو يشاهد المذبحة تلو المذبحة، دون أن يرتد له طرف أو ينبس ببنت شفة. أما لماذا؟ فلأن الصراع صراعه، والحرب حربه، ولأنه لا يمكن لغير هذا النظام؛ وبغير هذه الطائفة، أن يأمن الغرب على مصالحه، أو يضمن لـ «إسرائيل» رغد الحياة. ويكفي من الأدلة القاطعة النظر في سياسات هذا النظام على امتداد العقود، وما خلفته من دمار أصاب الأمة والدين، حتى صار يهدد المصير، أو أن نتخيل نظاما في سوريا غير هذا النظام أو غير هذه الطائفة.
هذا النظام الأخبث في الأمة، بغنى عن كل الجيش السوري!! إذ أن بنيته الطائفية توفر له مئات الآلاف من المقاتلين، من بني شيعته، المحليين والإقليميين. وما قاله رامي مخلوف لصحيفة «النيويورك تايمز - 9/ 5/2011» ، لم يكن بدعا من القول: «لدينا الكثير من المقاتلين .. وسنجلس هنا ونعتبرها معركة حتى النهاية» . فما فاه به مخلوف ليس سوى ترجمة للعمق الطائفي للنظام، ولمعاهدة الدفاع المشترك مع إيران .. وهو ما شهد به، لاحقا، مدير المدرسة العسكرية الجوية بحلب، العميد المنشق فايز عمرو، حين أكد أن: «معظم المستشارين في كل الدوائر الأمنية في سوريا إيرانيون» .. أما ميادين الثورة فتشهد على اعتقالات الخبراء الإيرانيين وبعض فراعنة حزب الله. مثلما تشهد رحى المواجهات، في الزبداني وغيرها، أن قاسم سليماني، قائد الحرس الثوري الإيراني، استوطن في سوريا، رفقة الآلاف من قتلته، أما دعوات أصحاب العمائم بالدعوة إلى «الجهاد» وحشد المزيد من «المجاهدين» فلم تنقطع، ابتداء من خامنئي وانتهاء بأحمد جنتي، عضو مجلس الخبراء، الذي قال في خطبة الجمعة بطهران (25/ 5/2012) : «على الشيعة العرب الدخول إلى سوريا والجهاد إلى جوار النظام السوري حتى لا تقع سوريا بأيدي أعداء آل البيت» .