شكل فشل مجلس الأمن في تمرير الضربة العسكرية انعطافة قوية أدت إلى (1) تأجيل الضربة، و (2) التوجه للكونغرس الأمريكي لانتزاع تفويض محلي منه، مع (3) الاحتفاظ بالجاهزية القتالية للقوات الأمريكية قيالة السواحل السورية والمنطقة. إلى هذا الحين (29/ 8/2013) كانت أهداف الضربة الأمريكية عامة وغير محددة الملامح. فجاءت في صيغة (1) حماية الأمن القومي، و (2) المصالح الأمريكية، و (3) ضمان أمن أصدقاء أمريكا في المنطقة ( «إسرائيل» والأردن وتركيا) ، و (4) ردع الرئيس السوري عن استعمال الأسلحة الكيماوية. أما رد الفعل الأمريكي المنتظر فقد ظل مائعا ما بين «ضربة محدودة» في الزمان والمكان، كما قال أوباما، أو «صغيرة لدرجة لا تُصدق» (9/ 9/2013) !!، بحسب وزير الخارجية، جون كيري، أو «شديدا وجديا» (29/ 8/2013) كما قال السفير الأمريكي في «إسرائيل» ، دان شابيرو، عشية انعقاد مجلس الأمن.
من المفترض أن التراجع الأمريكي عن الضربة سيعني، للوهلة الأولى، أن الولايات المتحدة فشلت في مجلس الأمن ليس فقط في الدفاع عن هيبتها ومصداقيتها، بل حتى في حماية أمنها القومي الذي صار رهين الفيتو الروسي والصيني!!! حتى وإنْ كانت هذه فضيحة بكل المقاييس، إلا أن الأسوأ يكمن في تداعياتها. فالمسألة بالنسبة للأمريكيين واقعة في تجاوز ما يعتبرونه خطوطا حمراء في حين هي عند الروس مسألة قانونية. فقبل اجتماع مجلس الأمن بقليل دعت صحيفة «الواشنطن بوست - 29/ 8/2013» الرئيس الأمريكي إلى: «إثبات أن هناك عواقب وخيمة لمن يجرؤ على انتهاك الخطوط الحمراء التي تضعها الولايات المتحدة، وإلا فإن النظام العالمي سيبدأ بالتفكك» .
لكن بعد فشل المجلس في اتخاذ أي إجراء بدت الأمور بالنسبة لنائبة المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، ماري هارف، كما لو أن النظام الدولي بدأ فعلا بالتفكك، فقالت: «إن الخطوات التي اتخذتها روسيا بما في ذلك الاعتراض على ثلاثة قرارات سابقة لمجلس الأمن تدين حكومة الرئيس بشار الأسد، تشكك فيما إذا كان المجلس هو المكان المناسب للتصدي للحرب المستمرة منذ عامين» . أما الكاتب بول فاليلي فقد وصف في مقال له في صحيفة «ذي إندبندنت أون صنداي - 8/ 9/2013» البريطانية، مجلس الأمن الدولي بأنه «معطل» ، ونسبت الصحيفة إلى سفيرة الولايات المتحدة الأممية، سمانثا باور، قولها: «إن المجلس لم يعد يقوم بالواجبات التي نشأ من أجلها في أعقاب الحرب العالمية الثانية» . ومن جهتها، أوضحت الصحيفة أن: «مجلس الأمن بصورته الحالية يتسبب في إعاقة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، عن القيام بكبح جماح الأسد وزمرته من الاستمرار بارتكاب مجازر جماعية بحق المدنيين في سوريا» ، مشيرة إلى أن: «النظام الأممي اُبتكر عام 1945 للتعامل مع التهديدات من هذا النوع في المقام الأول» .. (لكن) .. «مجلس الأمن الدولي لا يقوم بمنع الأخيار من السيطرة على أفعال الأشرار وكبحها، ولكنه يتيح لروسيا استخدام حق الفيتو من أجل حماية حليفها الأسد، رغم إمعان الأخير في ذبح المدنيين بدم بارد وبالغازات السامة» ، وأكثر من ذك، قالت الصحيفة أن: «رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، يتبنى نفس وجهة النظر من المجلس الأممي» . وبهذا المنطق فإن ضربة في الصميم تعرضت لها مصداقية الولايات المتحدة عند حلفائها. فمن سيثق بعدها أن الولايات المتحدة مرجعية يمكن الوثوق بها!!!؟