في هذا السياق بالضبط يجيء «إعلان جنيف» .. ومن الغبن الفادح أن يقع تجاهل البند الخطير الذي ورد في نص الإعلان، والذي يقول: «يعارض أعضاء مجموعة الاتصال أي عسكرة إضافية للنزاع» .. هذا البند الذي أشار إليه العميد مصطفى الشيخ، رئيس المجلس العسكري الأعلى للثورة، في مداخلة له على قناة «وصال - 5/ 7/2012» يعني ببساطة، والكلام للعميد مصطفى، أن الثورة المسلحة تتأهب لمرحلة استنزاف خطير في الذخيرة. أما كيف؟ فلا ريب أن وسائل نزع السلاح ستكون أيضا ذات نكهة سياسية، كأن يعلن الأطراف عن تقدم ما في صيغة «الحل مع النظام» ، مما يستدعي وجوب البدء بنزع السلاح وربما فتح المجال السياسي والإعلامي وحتى الديني لإدانته في وقت لاحق. فهل سيتمكن المسلحون لاحقا من اعتراض أي حل سياسي فضلا عن قدرتهم على حماية المواطنين بل وحتى أنفسهم؟
جريمة الثورة السورية أنها تخوض حربا وجودية طاحنة ضد مشاريع قوى الهيمنة الدولية والإقليمية والمحلية دون أن تتلقى أية مساندة ذات شأن من أحد .. كما أن القوى الدولية ذاتها تخوض صراعا وجوديا هي الأخرى مع ما يتهدد هيمنتها من ثورة لا تكل ولا تمل من التحدي وإبداء أكبر قدر ممكن من الشراسة. ومن العجيب حقا أن يخوض «المركز» حروبه ضد الأمة في سوريا حفاظا على مصالحه، أو أن تكشف بعض التحقيقات مع عصابات «الشبيحة» الشيعية والنصيرية، عن تعبئة عقدية لهم تصل إلى حد اعتبار جرائمهم ضد أهل السنة في سوريا «قتال في سبيل الله» !!! بينما تقاتلهم المعارضة السياسية وبعض الأجنحة العسكرية باسم «الوحدة الوطنية» و «الدولة المدنية» و «التعددية» و «الديمقراطية» بدلا من التعبئة العقدية المضادة، بوصفها السبيل الأنجع والوحيد في مواجهة المشاريع العقدية.
لكن الأعجب، أن القوى المسلحة في الثورة بدت أعمق وعيا في قراءتها لمخاطر «إعلان جنيف» ، وأحرص على الثورة ومصيرها، وحتى على الدولة وهويتها، من القوى السياسية المعارضة، وفي السياق فإن «توصيات» العميد مصطفى الشيخ للقوى المسلحة على قناة «وصال» بدت وكأنها تدق فعلا ناقوس الخطر، وهي تحذر من أن الثورة والمجتمع والدولة في سوريا قد يواجهون هجمة دموية شاملة في الشهور القادمة، مشيرا إلى أنه لن يكون أمام القوى الثورية السلمية والمسلحة وكافة أطياف المجتمع السوري، حتى تلك التي لم تدخل بعد رحى الثورة أو الاحتجاجات، من خيار إلا أن تدافع عن نفسها، والعمل بأقصى درجات الحيطة والحذر والاستنفار الذهني والأمني والعسكري والطبي والغذائي والإعلامي، للحيلولة دون غدر النظام والقوى الدولية والإقليمية، بما فيها الصديقة، والسعي بأوسع جهد إلى تعزيز احتياطاتها الإستراتيجية من الذخيرة بمقدار 50% لمواجهة أي طارئ أو دخيل.